الرئيسية       أرسل مقالا       الارشيف       من نحن       اتصل بنا

تاريخ التصوف الاسلامي
طرق و أعلام الصوفية
عبادات و علوم الصوفية
بيوت الله و مقامات الصالحين
سين جيم التصوف
منوعات صوفية

التصوف في عصر العولمة
التصوف و الثقافة العالمية
المراة ما لها و ما عليها

فكر و ثقافة
قضايا و حوارات

أخبار-مهرجانات-دعوات
علوم و تكنولوجيا



التصوف و الثقافة العالميةعالمية الإسلام

عالمية الإسلام

روحانيون متدينون كونيون
الشريعة تؤسس لمبدأ الاختلاف في الرأي «الوجود بحر تهزه الأمواج بلا توقف ومنه لا يدرك الناس العاديون سوى الأمواج أنظر كيف تطفو أعماق الأمواج التي لا تحصى إلى السطح، وكيف يتوارى البحر خلف الأمواج» جامي/ متصوف وشاعر إيراني من القرن الخامس عشر كانت الثقافة الإسلامية –بشكل عام - خلال القرون الأخيرة في وضع تقهقر. وكلما شددت الهيمنة المادية للغرب من بسط نفوذها كلما أصبحت هذه لثقافة أكثر انطواءً وانككماشاً. فالمسلمون، الذين يشعرون بالظلم، انغلقوا دون الثقافات والديانات الأخرى. وساد مفهوم جامد وآحادي للمعيارية الإسلامية مضيّقًا البعد الكوني للإسلام. وبالتوازي مع ذلك تشرذمت البلاد الإسلامية وتجزّأت، ما جعل المسلمين عاجزين تماما عن التنقل داخل هذا الفضاء الواسع، متمثّلين دينهم في الغالب على أنه عادات وخصوصيات محلية. لقد اختفى اتساع الرؤية والروح الاستكشافية التي اتسمت بها الحضارة الإسلامية الكلاسيكية. وهذا الوضع من التقهقر لم يعد مقبولا اليوم، في وقت ظهرت الحاجة فيه، وبصفة عاجلة، الى بعث البعد الروحاني في أفق العولمة. وإعادة امتلاك المسلمين للإسلام الشامل – وقد يكون دخل حيّز الفعل - لا يمكن أن يحدث فجأة دون وعي حاسم: وعي بالعمل المتجدد لوحدة الإسلام وتنوعه، بل وفي الخلق كله. هل لنا من خيار آخر اليوم غير التمثّل المزدوج للوحدة في التعدد والتعدد في الوحدة، تماما كما أدركها الصوفية المسلمون؟ وبدون هذه الرؤية الثرية تكون نظرتنا للعالم وللإسلام بل ولله أيضا نظرة مبتورة. أما إذا توحدنا فرادى وجماعات حول محور التوحيد والانخراط العميق في التوحيد الالهي فإننا سنشعر بمزيد من القوة والتماسك لمحاورة العالم والاحتكاك بالآخرين دون خوف. لقد عاش المسلمون الأوائل هذه المحورية الداخلية، وقد أتاحت لهم هذه حمل الإسلام إلى كل تخوم الأرض.
على جميع مستويات الكينونة، وفي كل أبعاد الحياة تفرض علينا الوحدة نفسها عبر تعدد الأشكال والمظاهر. فالإسلام يعبّر أولا عن هذه الحقيقة في مستوى الماورائيات (الميتافيزيقا). ألم تنتشر التعددية انطلاقا من وحدة الله تدريجيا، وبتتابع لا ينقطع من التجليات آخذاً أشكالاً لا تحصى؟ . ألا يعود بقاء العالم لهذا ’’الخلق المتجدد دوما“، الخلق الجديد المذكور في القرآن؟(1) ألا يتجلى الله لنا عبر أسمائه المختلفة، التي تبرز الجوانب غير المحدودة في خلقه؟ "نعرف وحدة الأوحد بوحدة التعدد" كما يقول ’’ابن عربي‘‘(2)
«ما من زهرتان تتشابهان، ولا كُرَتَان من الثلج، ولا بَشَرَان. كلٌ منا فريد، على صورة الفرد الصمد»؛ كذا يقول الشيخ بن تونس. ففي الميتافيزيقيا الإسلامية يعود الخلق كلّه لله. ولا تتمتع المخلوقات إلا بوجود طارئ، تابع للذات الالهية. وخلف الطبيعة المتغيّرة للعالم تكمن إذاً حقيقة دائمة تتجاوزها؛ لذلك أطلق الصوفية على الله اسم الحق، أي الحقيقي الأوحد. والفن الإسلامي في إعادة رسمه بشكل لا متناهٍ لأشكال تندّ عن الضبط هو في الحقيقة يحيل الى أصلها (يسميها تيتوس بوركهاردت "الوفرة في الوحدانية")(3) .
كذلك فإن علماء الإسلام التقليديين أدركوا هم أيضا منذ البدء هذه الوحدة المركبة للكون. فقد لاحظوا في مجالات تطبيقية متعددة العلاقة المترابطة لكل الموجودات. وتحليلهم للآيات الالهية المتعددة الموجودة في الخلق يحيلهم باستمرار إلى التأمّل في الواحد الأحد. وبعيدا عن المعرفة المعاصرة التي تفتت الإدراك بقدر ما تفتت مجال الدراسة، فإن هؤلاء العلماء أدركوا الوحدة الأساسية للعلوم، فكانوا في الوقت نفسه شعراء وعلماء رياضيات وفلكيين وأطبّاء ..الخ. وقد أدركوا أيضا أن العلم يجب أن يكون تابعاً للحكمة، الأمر الذي كان كارثيًا تجاهل الغرب له. إن علم البيئة في الاسلام يحتوي على أصول قرآنية جوهرية: صحيح أن الانسان مُكَرّمٌ على بقية المخلوقات، ولكن فحسب بإعتباره "خليفة الله في الأرض"، وهو بذلك مسؤول عن ممالك الحيوان والنبات والمعادن التابعة له. إنه بصفته تلك مُعرّضٌ للمحاسبة عن إدارته لكوكب الأرض. ألم يؤكّد النبي صلى الله تعالى عليه و سلم ان "الخلق عيال الله"؟
وإذا تناولنا مجالات الاعتقاد والفقه الإسلامي نجد أن الإسلام خُلْوٌ من أي سلطة عليا تضع العقائد وتحدد تفسيراتها بشكل نهائي. لذلك تتعايش في حضن الإسلام فِرَقٌ جعلت الحدود بين الأرثودكسية والبدعة متحركة جدا. صحيح أن عدم التسامح والتنابذ كان هو الطاغي في الغالب على العلاقات بين هذه المجموعات، ولكننا نلاحظ أن اولئك الذين يرفعون بسهولة شعار التكفير لم يكونوا من كبار العلماء. فهؤلاء كانوا دائما يحرصون على التمسك بالتيارات الكلامية المختلفة في الحيّز الإسلامي لا بإخراجها منه. إنهم كانوا بتصدّون لمنهج "محاكم التفتيش" التي شاعت أحيانا في الاسلام الوسيط. وقد كانت المدرسة الشافعية في هذا المجال خير مثال على ذلك. فالغزالي وهو أحد أبرز ممثليهم يؤكد: «أمسِكْ لسانك عن أولئك الذين يتوجهون نحو القبلة»(4)، أي الذين يؤدون شعيرة الصلاة.
وتظهر التعددية الداخلية وروح التسامح بشكل خاص في مجال الشريعة الإسلامية. ولنتدبر أولا في الشريعة باعتبارها شبكة واسعة من الأوامر والقواعد التي يمكن تحديدها في إطار ما، ولكن الكل يتجه نحو مركز واحد. لذلك ندرك بشكل أفضل السبب الذي جعل الشريعة الاسلامية تؤسس فعليّا لمبدأ الاختلاف في الرأي. ونحن نعلم أن المصدرين المقدسين: القرآن والحديث النبوي، ليسا واضحين دائما، ويتطلّبان التفسير. والارثوذكسية الوحيدة التي تؤسس تاريخيا للاسلام السنّي، هي في النهاية، إجماع العلماء حول ما لم يردْ صراحة في القرآن والسنة. وهذا المفهوم، وهو في جوهره متعدد لاستناده إلى اتفاق أطراف مختلفة، يحمل في صلبه الخلاف أو الاختلاف.(5)وخلال القرون الأولى، في مرحلة تشكّل العلوم الإسلامية المتنوعة، كانت اختلافات الرأي تعتبر في الواقع ظاهرة طبيعية، تعود إلى مشكلات تفسير معطيات النصوص المقدسة.(6)
كذلك فإن الله، بالنسبة لعلماء الإسلام، هو وحده الذي يعلم الحقيقة، والذين يفسرون أقواله تعالى لا يدركون بالضرورة سوى ومضات جزئية وذاتية لتلك الحقيقة. وسواء كان الحديث النبوي «اختلاف أمتي رحمة» موضوعا أم صحيحا(7) فهو يصوّر ذلك الانفتاح على الآخر ويحدّد نوعا من "أخلاق الاختلاف" (8) المعتمدة بين العلماء الأوائل. ألم نر الإمام مالك يرفض طلب الخليفة المنصور فرض كتابه المشهور "الموطّأ" كمرجع وحيد للفقه في العالم الإسلامي آنذاك؟ كان من الضروري، بالنسسبة إليه، الحفاظ على تنوع في المصادر والتفسيرات.
وظهرت المقاربة نفسها في مجالات أخرى من العلوم الإسلامية، كالتصوف مثلا. ففي رحابه أكد الشيخ أحمد زروق في القرن الخامس عشر على أنه يشعر بالراحة كلّما كان لأتباعه مواقف متباينة.(9)
إنه يشير بلا ريب الى الثراء البالغ للمواقف الروحية داخل الصوفية، وهو ما ينأى بها عن كل نمطية. أن تكون متصوّفا في الإسلام يعني أن تتبع الطريقة المحمدية، التي تجمع كل الطرق الخصوصية، أي كل الجماعات الصوفية. أليس مرجع المتصوفة، أو مرجع السنة هو النبي محمد صلى الله تعالى عليه و سلم، وبقية الشيوخ متبعين له؟ في الإسلام الكلاسيكي كان مريدو الطرق في الإسلام الكلاسيكي يشعرون بالانتماء لعائلة تتلمذ واحدة كبيرة، وهذا بالرغم من بعض التنافس الراجع إلى طبيعة الذات البشرية؛ وفي وقتنا الحاضر ضاعت هذه الفسحة في الرأي أحيانا، حيث يسيطر الرأي الأوحد لدى الطرق، وذلك بشكل مقصود .
حملت الديناميكية وحدة / تعدد في الاسلام مع مطلع هذا القرن الحادي والعشرين ثمارا استطاع الغرب المعاصر قطفها. كما يمكن لها أن تُحدِث هنا فتحًا معجزا في المجالين الروحي والحضاري. فبالنسبة للإسلام لا توجد غير ثقافة إنسانية واحدة ننتسب إليها جميعا، تلك الصادرة عن "آدم". لا شك أن الله وزّعَنَا على الأرض الى شعوب متعددة بهدف التدرّب على معرفة بعضنا البعض ومن ثمّ على الاحترام المتبادل. (أحيل هنا على قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات:13) وقوله تعالى وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ(الروم: 22). هنا يكمن الدليل الذي أشارت إليه آيات قرآنية أخرى، دليل التنوع والافتراق. ولن يُرفَعَ هذا الدليل حتى يرث الله الأرض ومن عليها، حيث يقول سبحانه: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ (المائدة: 48). والقرآن كما ترى يلقي تحديا دائما للمجتمع الإنساني: الاعتراف بالآخر. وما يفتأ كتاب الله المقدس إلى شدّ انتباهنا الى أن وعينا البشري فريد رغم أننا محاطون بأشكال عدة من الحياة. وهذه الدرجة من الوعي يجب أن تدفع المسلمين إلى عدم الاقتصار على حدود الأخوة الإسلامية. إن عقيدة وحدة الجسد التي تعطي للأمة المسلمة تناغمها لا ينبغي أن تغفل البعد العالمي فيها. يقول الله تعالى إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُـمْ أُمَّـةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُـمْ فَاعْبُـدُونِ (الأنبياء: 92/93). ولفظ "أمة" عند بعض المفسرين تعني هنا المجتمع الانساني وليس هذه المجموعة بعينها أو تلك. ومن هذا المنظور بالتحديد نفهم بشكل أفضل النداء الملحّ للرومي، هذا المتصوف الكبير من القرن الثالث عشر، عندما يقول: "هلمّ! هلمّ! أيًا كنتَ، كافرا كنتَ أم مؤمنًا أم وثنيأ. لا يهم - ليست قافلتنا بقافلة اليأس. هلمّ! حتى لو أخلفتَ وعدك ألف مرة".
إن الإشارة إلى آدم في الإسلام ليست مجرد كلمة. إنها في البداية وعلى مستوى الوضع الإنساني تمثّل المرور من الوحدة إلى التعدد. ولنحترسْ من الاعتقاد، تحت تأثير أيٍّ من العلوم الإنسانية، أنه نوع من أسطورة مؤسِّسة، لأننا بذلك ننكر الخصوصية التي تسكن كل فرد على هذا الكوكب. وكما قال تيارنو بوكار، حكيم باندياغارا: كل واحد من وُلْد آدم مسؤول عن جزء من روح الله(10). وآدم عليه السلام أيضا هو أول نبي تاريخي، باعتبار محمد صلى الله تعالى عليه و سلم هو الأول على المستوى الكوني والميتافيزيقي. لا بد للمسلم إذاً، الذي يعتبر كل الانبياء مسلمين بمعنى "تسليمهم العملي للإرادة الالهية"، إحياء رسالة آدم، مثل باقي الرسالات النبوية. إن المسلم يؤمن بإبراهيم وعيسى كما يؤمن بمحمد ::ًص:: لأنهم حبات مسبحة واحدة.
ويعلّمنا "ابن عربي" أن لكل نبي حكمة خاصة، يتوجّب على المسلم في الحدود الخاصة بكل واحد أن يحييها(11). وبما أن النبي محمد صلى الله تعالى عليه و سلم قال بوجود مئة واربعة وعشرين الف (124 ألف) نبي، فإن للمسلم ثروة روحية هائلة. ويعتبر بعض العلماء أن بوذا واخناتون وزردشت مثلا هم ضمن لائحة طويلة من الأنبياء الذين يربطوننا بآدم. وبالنسبة للصوفيين فإنهم يحققون هذا الإرث النبوي في داخلهم. ومثال هؤلاء "ابن هود"، المعلم الأندلسي الذي عاش في دمشق في القرن الثالث عشر. كان يعقد هناك اجتماعات مسكونية (cuménique) قبل الرسالة. وكان يسمى "شيخ اليهود" ويمارس تأثيرا روحيا كبيرا على المتصوفة. وعندما ألحّ عليه أحد المسلمين في أن يصبح من أتباعه سأله إن كان يفضّل إتباع الطريقة الموسوية أو طريقة عيسى أو طريقة غيرها من الأنبياء الآخرين(12). وعندما يتكلم بهذه الطريقة المستفِزّة فهو يتصرّف كمسلم سويّ: ولا بد من التأكيد هنا أن الأولياء في الإسلام يمكنهم أن يرثوا الرسل السابقين عبر الوظيفة الجَمْعية للنبي محمد صلى الله تعالى عليه و سلم. سيرتوي الكلّ من "المحيط المحمدي" حسب تعبير الأمير عبد القادر.(13)هناك إذاً وحدة وتعدد في الرسالات، لأن كل واحدة منها نابعة من "الدين القيم". يقول تعالى: ِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً (المائدة:48). ويرى المفسرون الآخذون بالظاهر في هذه الآية تبريرا لتنوع التقاليد الدينية، التي تجد نفسها موحدة بطريقة غير ظاهرة بمحور التوحيد. وهنا يكمن أحد الاختلافات بين المسيحية والإسلام. تأخذ الأولى بمفهوم خطي للزمن، تميّز فيه بين ما قبل المسيح وما بعده. أما الإسلام فإن الزمن يمثل عنده دورات متعددة، تأتي كل منها على إثر الوحي الإلهي. كما أن كل كائن في العالم هو تجلٍ لاسم من أسماء الله، وكل دين يكشف جانبا من الجوانب الالهية. وكما أشار إلى ذلك الجنيد، الصوفي البغدادي الكبير، فإن «لون الماء ليس إلا اللون الذي يتخذه في هذا الإناء أو ذاك»(14).
ولا شك أن الصوفيين تمثّلوا هذه «الوحدة المفارقة للأديان» بشكل متصاعد، بالرغم من كونها تفرض نفسها على كل مسلم، دون أي نزعة توفيقية. ألم يقل النبي صلى الله تعالى عليه و سلم: نحن معشر الأنبياء إخوة أصلنا واحد وديننا واحد؟(15). ولا شك أن الاسلام، بالنسبة للمسلم، هو خاتم الرسالات، وهو لأجل ذلك يحمل على عاتقه في العصور الراهنة وبطريقة قصوى تحيين منطوق الإرادة الالهية. ولكن الأديان ليست أقل أهمية في ذاتها، فهي تشارك في المشروع الالهي. وعطفًاً على بعض هذه التأملات – التي يمكن أن نسحبها على مجالات أخرى في الاسلام - فإننا نقدّر إلى أي درجة يمكن لإسلامٍ معلوم ومطبّقٍ في فسحاته أن يهزم دوغمائيات ضيقة، ويضع حدّا لمعارك الأجراس، أو المآذن، حتى يصير الإنسان في النهاية ناضجا.
ونعتقد أن الاسلام بما يملك من قدرة على التأليف والتكامل يستطيع أن يساعد الإنسان المعاصر الذي تاه أكثر من أي وقت مضى في عالم المظاهر والتعدد على إعادة اكتشاف وعيه الموحِّد، يساعده على إعادة ترتيب أوراقه.
إن كياني المادي والنفسي والروحي متناسق؛ إنه غير مقيد بموجات متعددة من التجلّي، لأني أحقّقُ في داخلي التوحيد الالهي: نقطة إرسائي. كذلك فإن الإسلام التاريخي المتوحّد حول محور محدد، كان دائما ما يتكيّف مع السياقات الزمكانية المختلفة دون أن يفقد ما فيه من جوهري. إن قَصْر الإسلام في ثقافة معيّنة أو أرض أو نموذج محدد تضييق للإمكانات الالهية الهائلة. ولابد من الاعتراف بأن كثيراً من المسلمين ينتجون تصوّرات أكثر فقراً عن دينهم من تلك التي تنتجها بعض وسائل الإعلام الغربية! هذا بالرغم من أنه حَرِيٌ بالمسلمين ألا يخشوا من لقاء الإسلام بالغرب، لأنهم أكثر استعدادا من غيرهم لتحقيق الوحدة وسط هذا العالم المدهش. وفي الوقت الحاضر فإن علماء الصوفية ومشايخها الشرقيين يعوّلون كثيرا على هذا اللقاء. فالغرب قد لامس قاع الحضارة المادية: وإذا كان لا يزال واثقا من نفسه على المستوى المادي، فإنه يبحث أكثر من أي وقت مضى عن ذاته. وفي هذا الفضاء المفتوح، حيث تحرر الإنسان- أحيانا بطريقة جامحة- من دلائله النفسية والاجتماعية بل وحتى الدينية القديمة، فإن الأفضل كما الأسوأ يمكن أن يظهر في أي وقت. على الإسلام أن يسهم بتقديم البصيرة الضرورية، الفرقان الذي هو اسم من أسماء القرآن الكريم. ولكن إذا ما ذهبنا أبعد من ذلك، وفي مواجهة هذا الغول المسمى "العولمة"، وفي مواجهة الأخطار المختلفة التي تهدد الأشخاص كما تهدد هذا الكوكب، ألم يحن الوقت لقيام إتحاد مقدس بين المؤمنين وأصحاب النزعات الإنسانية الحقيقيين؟. وعلى كل، لم يعد لنا من خيار: إذا ما أردنا أن نبقى على بشريتنا، لابد أن نكون روحانيين؛ وإذا ما أردنا أن نكون متدينين لابد أن نكون كونيين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:-
1) انظر بصفة خاصة سورة ق، آية15
2) الفتوحات المكيّة - القاهرة سنة 1329 ، الطبعة الثالثة ص404
3) فن الإسلام - باريس سنة 1985 ص 189
4) انظر: إريك جوفروا E.Geoffroy ؛ الصوفية في مصر وسوريا تحت حكم آخر المماليك وأوائل العثمانيين: التوجهات الروحية والرهانات الثقافية. دمشقIFEAD ص381
5) انظر ج.المقدسي: الإسلام الحنبلي(.E.I) عدد خاص رقم 10. باريس 1883 ص 64 . انظر بشكل عام الفصل الرابع بعنوان
الأرثوذوكسية الاسلامية، ص 55-71
6) انظر فصل: اختلاف في الموسوعة الإسلامية (E . I.) وكذلك شفيق شحاته "الاختلاف والمفهوم الاسلامي للقانون" في كتاب ’’ الازدواجية في الثقافة العربية‘‘. مؤلف جماعي منشور تحت إدارة جان بول شارنييه. باريس 1967 ص 258-267
7) "اختلاف أمتي رحمة"؛ يحاول ج. شاخت أن يثبت أن نسبته للنبي لاحق عن أبي حنيفة، الذي ذكره في "الفقه الأكبر" (انظر فصل: اختلاف في الموسوعة الإسلامية. ويذكر السيوطي هذا الحديث وكذلك رواته ( لجامع الصغير) ص 24 رقم (288)
8) اقتباسا لعنوان كتاب لـ" طه جابر العلواني" : الإسلام وصراع الآراء. باريس 1995
9) انظر E.Geoffroy "الصوفية في مصر وسوريا" ص 503
10) انظر أحمدو هامباتي با؛ حياة وتعاليم تييرنو بوكار: حكيم باندياجارا. باريس 1980 ص148
11) انظر ابن عربي؛ فصوص الحكم. الترجمة الفرنسية مع إشارات وتعليقات لشارل اندريه جيليس؛ بعنوان " Le livre des chatons des sagesses" جزآن. طبع"البراق" بيروت 1997-1998
12) عن هذه الشخصية انظر بصفة خاصة ابن عماد الحنبلي" شذرات الذهب بـأخبار من ذهب". بيروت 1988 مجلد(5) ص446؛ وأيضا L.Pouzet "من مُورسية الى دمشق: رئيس الصابئة بدر الدين الحسن ابن هود " أعمال مؤتمر الإتحاد الأوربي للمستعربين وخبراء الإسلاميات". إيفورا (البرتغال) 1986
13) M.Chodkiewicz : "خاتم الأولياء". باريس، 1986، ص 175
14) غالبا ما يستشهد بهذه الحكمة الغامضة في المؤلفات الصوفية.
15) هذا الحديث يستشهد به خاصة ابن كثير في تفسيره ( مختصر ابن كثير) بيروت 1981 - مجلد(1) ص524

المصدر: موقع النور
http://www.annoor-magazine.com/article.php3?id_article=151&var_recherche=%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%81%D9%8A%D8%A9&lang=ar&c_issue_no=180

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة

       


التصوف في الموسيقى


التصوف خلال الحملات الصليبية


طبيعة العلاقة بين النفس والجسم


التجربة الصوفية




ثقافة : التصوف و التغدية الروحية
التصوف في الموسيقى
التصوف خلال الحملات الصليبية
الفرق بين التصوف الإسلامي وألوان الروحانية العالمية