الرئيسية       أرسل مقالا       الارشيف       من نحن       اتصل بنا

تاريخ التصوف الاسلامي
طرق و أعلام الصوفية
عبادات و علوم الصوفية
بيوت الله و مقامات الصالحين
سين جيم التصوف
منوعات صوفية

التصوف في عصر العولمة
التصوف و الثقافة العالمية
المراة ما لها و ما عليها

فكر و ثقافة
قضايا و حوارات

أخبار-مهرجانات-دعوات
علوم و تكنولوجيا



فكر و ثقافةالاعتراف بالآخر .. بين الاعتبار والإهدار

الاعتراف بالآخر .. بين الاعتبار والإهدار

أحمد بلال :
الاعتراف بالآخر مصطلحٌ نبيلٌ عندما نأخذ منه معني السماحة و الرقيِّ و الحوار الهادف و الاختلاف البنَّاء ، و الودُّ المتصل رغم اختلاف الآراء ، فكلُّ مواطنٍ من حقه أن يختار رأياً ، أو يلتزم فكرةً بكامل حريته ، و يُعلمنا القرآن الكريم أدبَ البيان و عفَّةَ اللسان عند الاختلاف ، حتي مع من هم علي غير اعتقادنا : قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ( سبأ : 25 - 26 ) ، و يضرب لنا أئمةُ العلم و الفقه أرقي الأمثلة في الاختلاف في ظل الحب و المودة ، رغم أن بعض المتعصبين من الأتباع ربما يُقيمون الدنيا فلا تقعد ، انتصاراً لآراءَ قد تسامح أصحابُها مع بعضهم البعض فيها ، و هذا الإمام الشافعي ، قد عاتبه بعض أتباعه أنه يتزاور مع أحمد بن حنبل ، مع أنَّ لهما آراءَ متباينة ، و مذهبين مختلفين ، فأنشد قائلا :
قالوا يزورك أحمــــدٌ و تزوره قلتُ : المكارم لا تفارق منزلَه
إن زارني فبفضله ، أو زرتُه فلفضله فالفضـــــل في الحالين له
و قول الشافعي " ما ناظرتُ أحداً ، إلا و رجوتُ أن يَظهرَ الصوابُ علي لسانه " ، هو غايةٌ في التجرد ، و الاحتياط أن يكون لنفسه حظٌ أو نصيبٌ أو هويً في أن يَظهرَ الصوابُ موافقاً لرأيه هو ، و ليت كلَّ صاحبِ قلمٍ أو منبرٍ أو رأيٍ ، يقتدي بمقولة الشافعي ، فآفة الرأي الهوي ، و قصة الإمام مالك مع محاولة الخليفة فرض و تعميم كتابه الموطأ علي الأمصار معروفة ، فقد رفض الإمام ذلك لوجود اجتهاداتٍ أخري ، و رأيه ليس هو الاجتهاد الأوحد الذي يُعمَّم علي الجميع .
و مصطلح " الاعتراف بالآخر " ، أو " احترام الآخر" ، ربما كان مصطلحاً حديثاً ، و هو مصطلحٌ يُعتبَرُ بقدر ما يحمل من معاني السماحة و السعة و الرقي و التحضر عند الاختلاف ، و لكنه في نفس الوقت يُهدَر عندما يكون الهدف منه هو القضاء علي " الأول " ، أو إلغاؤه ، أو التلبيس عليه ، أو تشويهه ، خاصةً إذا كان هذا الأول هو من ثوابت الحقوق و القيم و الآداب المتعارف عليها ، و عندها يكون التشدُّق " بالآخر " ما هو إلا مدخل خبيث للتطاول علي أصولٍ راسخة ، و هذا الإهدار في رأيي يكون في ثلاث حالات : أن يكون هذا الآخر 1- منكراً ، 2- أو شاذاً ، 3 - أو في غير موضعه .
فإذا اغتصب غاصبٌ أرضي ، و طالبتُ باستردادها ، فلا يقول قائل يجب أن تنصت إلي الرأي الآخر ، فهذا الإنصات مدخلٌ لكي تختلط الحقوق أو تضيع في زحمة الاعتراف و الاستماع إلي الآخر ، و الذي كَتب في صفحات جريدةٍ مشهورة أن التعددية السياسية قد أُلغيت منذ حطَّم نبيُّ الإسلام الأصنام ، نقول له إن عبادة الأصنام هي الآخر المهدر ، و ليست الآخر المحترم أو المعتبَر ، لأنها تخالف العقل و المنطق و الحق و الواقع في منطقتنا ، و الذي كتب ينعى هذه التعددية بعد نزول الآية الكريمة " و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه " ، رأيه هو أيضا الآخر المهدر لأنه يعارض آيةً كريمة ، و لم يفرق بين الآخر عند الناس و الآخر عند رب الناس الذي " لا يخفي عليه شيء في الأرض و لا في السماء " كما ورد في صدر السورة التي بها الآية الكريمة .
و الآخر المهدر أيضا هو الآخر الشاذ ، كمن يخرج علي الناس بإباحة التدخين للمدمنين في نهار رمضان ، فهذا أمرٌ لو أَخذَ فيه رأيَ مائةٍ ممن حوله " من غير المدمنين" ، لوجد استهجاناً ، و ما وجد استحسانا ، فهو رأيٌ شاذ ، و كذلك من يقول إن الغزو الأمريكي للعراق أقل خطراً من الفتح الإسلامي لمصر ، فهو رأيٌ أكثر شذوذا .
و الآخر المهدر أيضاً هو ما كان في غير موضعه ، فليس كل رأىٍ يصلح للعرض علي عموم الناس ، بمعني أنني قد يسعني أن أجلس في جلسة عائلية أو بين بعض الأصدقاء في جلسة خاصة ، و أقول رأيا منكرا أو شاذا ، فساعتها قد لا يعترض عليَّ أحد ، فهذا رأيي و أنا حرٌّ فيه ، و هؤلاء عائلتي أو صحبي ، و أنا لي مكانة عندهم أن يتحملوني أو يجاملوني أو يعتبرون رأيي ، أما أن أنشر هذا الكلام في منبر كالصحافة أو الإعلام ، فهذه المنابر هي للناس ، و من الأمانة ألا يُقدَّم فيها إلا ما ينتفع به نسبةٌ معتبرةٌ منهم ، إن لم يكن عامتهم ، و ألا أستغل المساحة المتاحة لي لأعرض رأياً يستهجنه عامتهم ، و لا يستحسنه إلا القلة النادرة الذين يجاملونني أو يوافقونني ، فرسالة هذه المنابر هي التعبير عن ضمير غالب الناس و احترام الذوق العام لهم ، بل و الارتقاء به ، .. و قد يتحجج البعض بأن باب الاجتهاد مفتوحٌ للجميع ، و هذا صحيحٌ لمن ملك أدوات الاجتهاد ، و لم يخرق إجماع أهل التخصص بكلام غريبٍ ليس عليه دليل ، هذا مع التأكيد علي أن إهدار الرأي لا يمس احترام قائله ، فربما كانت له دوافعه أو فهمه الخاص ، أو ربما كان هذا الرأي بالنسبة له زلةَ عالم أو كبوةَ جواد .
و لو لم نحصِّن هذا المصطلح النبيل " احترام الآخر" ، بهذه المحاذير الثلاثة ، لفتحنا باب التأويل الفاسد ، و الابتداع الخارج أمام كثيرين ، سواءً كان ذلك في مجال العقائد أو القيم أو الآداب أو التراث الأصيل في بلادنا ، فربما بحجة تقدير " الآخر" ، رأينا من يطالب باعتبار الشذوذ و تقنينه أسوةً بالغرب !! ، وربما رأينا من تُقاضي أباها أمام المحاكم ، لأنه منعها من المبيت خارج المنزل مع أصدقائها ، و هو بذلك لا يحترم الرأي الآخر !! .. ، و بذلك نفتح الباب أمام كل من أراد الخوض في ثوابتنا و قيمنا ، متخصصاً كان أو غير متخصص ، بقصدٍ طيبٍ أو بقصدٍ خبيث ، بعلمٍ أو بدون علم ، .. فقد وجد مدخلاً براقاً ، و حجةً خادعة ، عنوانها : " ألا تحترمون الرأي الآخر ؟ " !! .
إننا عند عرض أية قضية من قضايا الإصلاح ، أو قضايا الفكر علي القوي السياسية و الاتجاهات المختلفة ، فإننا نجد من المخلصين منهم رؤيً كثيرة ، ربما تكون مختلفة و متباينة ، و لكنها كلُّها معتبرة ، قد احترمت الآخر ، و وسعها الاختلاف المتحضر ، و يَصبُّ كل هذا و لا شك في الصالح العام لبلادنا .

المصدر: موقع المنسيون
http://www.almansiuon.com/index.php?pg=article&id=1672

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة

       


الذوق الإنساني بين التيه والرشاد


بالأخلاق نحيا


رمضان كنز الخيرات والبركات


رمضان في الفلبين




دعوى اقتراض الألفاظ من غير العربية في القرآن الكريم
علموا أولادكم محبة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
الصوم يحسن حالة الفرد النفسية
النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في عيون مشاهير وعلماء العالم