الرئيسية       أرسل مقالا       الارشيف       من نحن       اتصل بنا

تاريخ التصوف الاسلامي
طرق و أعلام الصوفية
عبادات و علوم الصوفية
بيوت الله و مقامات الصالحين
سين جيم التصوف
منوعات صوفية

التصوف في عصر العولمة
التصوف و الثقافة العالمية
المراة ما لها و ما عليها

فكر و ثقافة
قضايا و حوارات

أخبار-مهرجانات-دعوات
علوم و تكنولوجيا



تحليل ونقد مؤلفات الصوفيةأبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي وكتابه التوهم

أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي وكتابه التوهم

د.عبد الكريم اليافي


ولد نحو عام 165هـ/ 781م بالبصرة. اسم أبيه أسد وكنية الأسد أبو الحارث. فربما سمى ابنه الحارث توكيداً لهذه الكنية. ولقد جاء الفتى باكراً إلى بغداد حيث توفي بعد حياة حافلة بالعلم والتقوى عام 243هـ/ 857م. وهو من كبار الصوفية وأوائل علماء الكلام وأعلام الوعاظ البلغاء.


وأبرز ما في سيرة حياته وعظه وتعليمه وكتبه الكثيرة التي تزيد على المئة والتي يتجلى فيها احترامه العميق للسنة، وتشدده الخلقي، وبيانه الذي يعتمد على الترغيب والترهيب وعلى التنديد بنوازع الهوى ونزوات النفس، ودقته في التحليلات النفسية والتعريفات الفلسفية.


عقد له الحافظ أبو نُعَيْم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة 430هـ/ 1039م في كتابه "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" ترجمة ذكر فيها أحاديث رواها وأقوالاً له ومواعظ مؤثرة واستهلّها بهذه الفقرات:


"كان لألوان الحق مشاهداً ومراقباً ولآثار الرسول عليه السلام مساعداً ومصاحباً. تصانيفه مسطورة، وأقواله مبوبة مشهورة، وأحواله مصححة مذكورة. كان في علم الأصول راسخاً، وراجحاً، وعن الخوض في الفضول جافياً وجانحاً، وللمخالفين الزائغين قامعاً وناطحاً، وللمريدين والمنيبين قابلاً وناصـــحاً"(1).


وترجم له الحافظ أبو بكر بن علي الخطيب البغدادي المتوفى عام 463هـ 1071م في كتابه "تاريخ بغداد"، فعده "أحد من اجتمع له الزهد والمعرفة بعلم الظاهر والباطن"(2).


ويورد الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري المتوفى عام 465هـ 1073م في "الرسالة" عند ترجمته المحاسبي قول أبي عبد الله بن خفيف للمتصوفة: "اقتدوا بخمسة من شيوخنا والباقون سلموا لهم حالهم: الحارث بن أسد المحاسبي والجنيد بن محمد وأبو محمد رويم وأبو العباس بن عطاء وعمرو بن عثمان المكي لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق"(3).


ومن الذين ترجموا له تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب السبكي 727/1327-771/1369 في كتابه طبقات الشافعية. ونحن نورد شيئاً من ترجمته له بياناً لأسلوب من التدقيق كان الأعلام القدماء يتبعونه: "يقال إنما سُمِّي المحاسبي لكثرة محاسبته لنفسه. قال ابن الصلاح ذكره الأستاذ أبو منصور في الطبقة الأولى فيمن صحب الشافعي. وقال كان إمام المسلمين في الفقه والتصوف والحديث والكلام. وكتبه في هذه العلوم أصول من يصنف فيها. وإليه ينسب أكثر متكلمي الصفاتية. ثم قال لو لم يكن في أصحاب الشافعي في الفقه والكلام والأصول والقياس والزهد والورع والمعرفة إلا الحارث المحاسبي لكان مُغبِّراً في وجوه مخالفيه والحمد لله على ذلك. قال ابن الصلاح: صحبته للشافعي لم أر أحداً ذكرها سواه، وليس أبو منصور من أهل هذا الفن فيعتمد فيما تفرد به، والقرائن شاهدة بانتفائها. قلت إن كان أبو منصور صرح بأنه صحب الشافعي فالاعتراض عليه لائح، وإلا فقد يكون أراد بالطبقة الأولى من عاصر الشافعي وكان في طبقة الآخذين عنه. وقد ذكره في الطبقة الأولى أيضاً أبو عاصم العبادي وقال كان ممن عاصر الشافعي واختار مذهبه، ولم يقل كان ممن صحــبه. فــلعل هذا القدر مراد أبي منــصور"(4).


أشرنا آنفاً إلى تعريفاته الفلسفية وتحليلاته النفسية. وقد أورد السبكي فيما أورده قوله: "حسن الخلق احتمال الأذى، وقلة الغضب، وبسط الرحمة وطيب الكلام. ولكل شيء جوهر وجوهر الإنسان العقل وجوهر العقل الصبر. والعمل بحركات القلوب في مطالعات الغيوب أشرف من العمل بحركات الجـوارح"(5).


ويعرض صاحب طبقات الشافعية بعض تعليقات القدماء على تعريف المحاسبي للعقل.


"قال إمام الحرمين في "البرهان" عند الكلام في تعريف العقل: "وما حوّم عليه أحد من علمائنا غير الحارث المحاسبي فإنه قال: العقل غريزة يُتأتى بها درك العلوم وليست منها. وقد ارتضى الإمام كلام الحارث هذا كما ترى وقال عقيبه: إنه صفة إذا ثبتت يُتأتى بها التوصل إلى العلوم النظرية ومقدماتها من الضروريات التي هي من مستند النظريات. وهو منه (أي من إمام الحرمين) بناءً على أن العقل ليس بعلم والمعزو إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه العلم. وقال القاضي أبو بكر (الباقلاني): إنه بعض العلوم الضرورية. والإمام حكى في "الشامل" مقالة الحارث هذه التي استحسنها وقال: إنّا لا نرضاها ونتهم فيها النقلة عنه. ثم قال: ولو صح النقل عنه فمعناه أن العقل ليس بمعرفة الله تعالى وهو إذا أطلق المعرفة أراد بها معرفة الله. فكأنه قال: ليس العقل بنفسه بمعرفة الله عز و جل ولكنه غريزة. وعنى بالغريزة أنه عالم لأمر جبل الله عليه العاقل ويتوصل به إلى معرفة الله. انتهى كلامه في "الشامل". والمنقول عن الحارث ثابت عنه. وقد نص عليه في كتاب "الرعاية". وكان إمام الحرمين نظر كلام الحارث بعد ذلك. ثم لاحت له صحته بعدما كان لا يرضاه. واعلم أنه ليس في ارتضاء مذهب الحارث واعتقاده ما ينتقد، ولا يلزمه قول بالطبائع ولا شيء من مقالات الفلاسفة كما ظنه بعض شراح كتاب "البرهان". وقد قررنا هذا في غير هذا الموضع. وقول إمام الحرمين إنه أراد معرفة الله ممنوع فقد قدمنا عن الحارث بالإسناد قوله إنه نور الغريزة يقوى ويزيد بالتقوى. نعم الحارث لا يريد بكونه نوراً ما تدعيه الفلاسفة"(6). وتظهر هذه المناقشة حرص علماء المسلمين على صفاء العقيدة.


كان السلف (رضوان الله عليهم) حين يكتبون يَزِنُون الكلمات في ميزان الدلالة بدقة ويمحصونها تمحيصاً. ورد في مستهل بحثنا قول أبي نعيم في المحاسبي: "كان في علم الأصول راسخاً وراجحاً وللمخالفين الزائغين قامعاً". والحق أن الحارث كان رائداً في علم الأصول الذي يراد به هنا علم التوحيد أو علم الكلام. ولا بد في بيان ريادته هذه أن نعتمد على مؤلف مشهور في تأريخ النحل وهو الإمام أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت 548/1153). فقد عقد في كتابه "الملل والنحل" فقرة ضافية وذات دلالة عن نشوء "الصفاتية" نورد نصها فيما يأتي لأهميتها في هذا المضمار.


"اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً، وكذلك يثبتون صفات جبرية. ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتون سمي السلف صفاتية والمعتزلة معطلة. فبلغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بالمحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر. فافترقوا فرقتين، منهم من أوّلها على وجه يحتمل اللفظ ذلك، ومنهم من توقف في التأويل وقال: عرفنا بمقتضى العقل أن الله ليس كمثله شيء، فلا يشبه شيئاً من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، وقطعنا بذلك إلا أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى: ]الرحمن على العرش استوى[(7)، ومثل قوله: ]خلقتُ بيديَّ[(8)، ومثل قوله: ]وجاء ربك[(9) إلى غير ذلك. ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها. بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقيناً. ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا: لا بد من إجرائها على ظاهرها والقول بتفسيرها كما وردت من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر، فوقعوا في التشبيه الصرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف.


... أما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا استهدفوا للتشبيه فمنهم مالك بن أنس(10) إذ قال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ومثل أحمد بن حنبل(11) وسفيان(12) وداود الأصفهاني(13) ومن تابعهم حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي(14) وأبي العباس القلانسي(15) والحارث بن أسد المحاسبي. وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية. وصنف بعضهم ودرّس بعض حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري(16) وبين أستاذه (أبي علي الجبائي)(17) مناظرة في مسألة الصلاح والأصلح فتخاصما وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بحجج كلامية، وصار ذلك مذهباً لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية. ولما كانت المشبّهة(18) والكرامية(19) من مثبتي الصفات عددناهم فرقتين من جملة الصفاتية"(20).


أما قمعه للمخالفين الزائغين في كلام أبي نعيم فإنما يراد به رده على المعتزلة حين عطلوا الصفات واتفقوا على نفي رؤية الله عز و جل بالأبصار في دار القرار. ومن الضروري أن نوضح معنى تعطيل الصفات، وقضية الرؤية.


ذلك أن علماء الكلام من الأشاعرة ذهبوا إلى أن صفات الله عز و جل على أربعة أنواع: الأول صفة نفسية وهي الوجود. والثاني صفات سلبية وهي خمس: القدم، والبقاء، ومخالفته تعالى للحوادث، وقيامه تعالى بنفسه، والوحدانية. والثالث صفات معان وهي القدرة والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. والرابع صفات معنوية وهي سبع كونه قادراً، ومريداً، وعالماً، وحياً، وسميعاً، وبصيراً، ومتكلماً.


أما الصفة النفسية فهي عند الأشعري عين الموصوف. فالوجود عين الموجود عنده. وهي عند غيره غير الذات. فالوجود عندهم غير الموجود. وأما الصفات السلبية الخمس فهي غير الذات بمعنى أنها غير قائمة بالذات. فالقدم مثلاً يسلب عنه الحدوث وهكذا بقية هذه الصفات. أي أنها أمور عدمية. وأما صفات الأفعال مثل الإحياء والإماتة والرزق والعون وأشباهها فهي غير الذات أيضاً بمعنى أنها منفكة عنها من قِبَل أنها عند التحقيق تعلقات القدرة التنجيزية الحادثة. وأما الصفات المعنوية فلا خلاف فيها ويثبتها المعتزلة وهي أنه قادر بذاته ومريد بذاته وعالم بذاته وهكذا ولكنهم نفوا عنه صفات المعاني أي الصفات التي هي معان أي ليست هناك صفة تسمى العلم ولا صفة تسمى الإرادة ولا صفة تسمى القدرة... وذلك لأن الصفة غير الموصوف ولو أثبتنا له سبحانه وتعالى صفات غير ذاته لم يكن بد من أمرين فإما أن تكون هذه الصفات حادثة وإما أن تكون قديمة. فإن كانت حادثة لزم قيام الحادث بالقديم وهو محال. وإن كانت قديمة لزم أن يكون هنالك قدماء متعددة بتعدد الصفات زيادة على الذات وهذا هو الشرك.


ولكن الأشاعرة يرون أنه لا يلزم من ذلك تعدد القدماء كما زعم المعتزلة، لأن كل صفة من صفات المعاني وإن كانت غير سائر الصفات إلا أنها لازمة للذات ولا تنفك عنها. فهي دائمة الوجود، مستحيلة العدم. فهو حي بحياة، عالم بعلم، قادر بقدرة، وهكذا. والمحظور هو تعدد القدماء المتغايرة، ولا تغاير هنا بين الذات والصفات ولا بين الصفات بعضها مع بعض فينتفي التعدد. فتلك الصفات زائدة على الذات قائمة بها لازمة لها لزوماً لا يقبل الانفكاك.


هذا وربما كان الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة لفظياً لأن القول بأنها ليست بغير الذات محمول على الغير الذي ينفك عن الذات وإن كانت غيراً في المفهوم والتصور.


ومما حصل فيه النزاع أيضاً رؤية العباد ربهم. فذهب المعتزلة إلى أن العقل يحكم بامتناعها لأن الرؤية لا تتحقق إلا متى كان المرئيّ في الجهة المقابلة لنظر الرائي وهو سبحانه ليس جسماً ولا في جهة من الجهات. وذهب أهل السنة إلى أنه تعالى يجوز أن يرى والمؤمنون في الجنة يرونه منزهاً عن المقابلة والجهة والمكان، إذ هذه الرؤية قوة يجعلها الله في خلقه لا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك. وقد أوّل المعتزلة ما ورد في القرآن الكريم والحديث الشريف من إشارة إلى ذلك. وعمد المحاسبي رداً على المعتزلة في نهاية كتابه "التوهم" الذي هو شطر مهم في بحثنا إلى تصور تلك الرؤية على أنها غبطة يفوز بها أهل النعيم في الجنة كما سنرى.


كان الحارث واعظاً بليغ الكلام يأخذ وعظه بمجامع القلوب ويخلب الأسماع ويسترق الأفهام ويستدر المدامع حتى تغرورق بها العيون. نقل صاحب تاريخ بغداد في ترجمته للمحاسبي ما حدث به إسماعيل بن إسحاق السراج: "قال لي أحمد بن حنبل يوماً: يبلغني أن الحارث هذا- يعني المحاسبي- يكثر الكون عندك. فلو أحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني فأسمع كلامه! فقلت: السمع والطاعة يا أبا عبد الله. وسرني هذا الابتداء من أبي عبد الله. فقصدت الحارث وسألته أن يحضرنا تلك الليلة. فقلت: وتسأل أصحابك أن يحضروا معك. فقال: يا إسماعيل فيهم كثرة فلا تزدهم على الكُسْب[1] والتمر، وأكثر منهما ما استطعت. ففعلت ما أمرني به، وانصرفت إلى أبي عبد الله فأخبرته. فحضر بعد المغرب وصعد غرفة في الدار، فاجتهد في ورده حتى فرغ. وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا، ثم قاموا لصلاة العتمة ولم يصلوا بعدها، وقعدوا بين يدي الحارث، وهم سكوت لا ينطق واحد منهم إلى قريب من نصف الليل. فابتدأ واحد منهم وسأل الحارث عن مسألة. فأخذ في الكلام وأصحابه يستمعون، وكأن على رؤوسهم الطير. فمنهم من يبكي، ومنهم من يزعق، وهو في كلامه. فصعدت الغرفة لأتعرف حال أبي عبد الله، فوجدته قد بكى حتى غُشِي عليه، فانصرفت إليهم ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا فقاموا وتفرقوا. فصعدت إلى أبي عبد الله، وهو متغير الحال. فقلت: كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله؟ فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل. وعلى ما وصفت من أحوالهم فإني لا أرى لك صبحتهم. ثم قام وخرج"(21).


ويعلق الإمام ابن السبكي في كتابه "طبقات الشافعية" بعد أن يورد هذه الرواية فيخاطب القارئ:


"تأمل هذه الحكاية بعين البصيرة. واعلم أن أحمد بن حنبل إنما لم ير لهذا الرجل صحبتهم لقصوره عن مقامهم. فإنهم في مقام ضيق لا يسلكه كل أحد فيخاف على سالكه وإلا فأحمد قد بكى وشكر الحارث هذا الشكر ولكل رأي واجتهاد"(22).


ولكن الخلاف بين أحمد والحارث مشهور. فقد "كان أحمد بن حنبل يكره للحارث نظره في الكلام وتصانيفه الكتب فيه"(23). بل كان الإمام "شديد النكير على من يتكلم في علم الكلام خوفاً أن يجرّ ذلك إلى ما لا ينبغي. ولا شك في أن السكوت عنه ما لم تدع الحاجة أولى. والكلام فيه عند فقد الحاجة بدعة. وكان الحارث قد تكلم في شيء من مسائل الكلام. قال أبو القاسم النصراباذي: بلغني أن أحمد بن حنبل هجره بهذا السبب. قلت: والظن بالحارث أنه إنما تكلم حين دعت الحاجة. ولكل مقصد"(24).


والذي نراه أن إنكار صاحب "المسند" وأمثاله من أهل الحديث على المحاسبي وأمثاله من الوعاظ والصوفية يرجع قسم كبير منه إلى اعتماد هؤلاء في مواعظهم وأفكارهم على الأحاديث الضعيفة الأسانيد. ذلك أن أهل الحديث يحرصون كل الحرص على صحة الرواية وأهل المواعظ قد يلجؤون إلى أحاديث مستجرحة للترغيب والترهيب ولكنها بالغة التأثير يقبلها العامة لأنها أقرب إلى التمثيل بالأشياء المحسوسة.


وعندنا أن مثل الأئمة المسلمين في مذاهبهم مثل أصحاب هندسات أقليدس وريمن ولوبتشفسكي في علومهم الرياضية. فكما أن هؤلاء بنوا هندساتهم على مصادرات واستنبطوا منها تصوراتهم كذلك كان أولئك الأئمة يعتمدون ما يمكن أن ندعوه مصادرات أو أصولاً للبحث وهذه هنا ذات مراتب وأكثر عدداً وأشد اشتباكاً. ومن الواضح أنه بعد الأصول المعتمدة الأربعة وهي القرآن والسنة والقياس والإجماع يأتي مدى الاعتماد على أحاديث الآحاد ومبدأ الاجتهاد ومبدأ المصالح المرسلة وهي الأوصاف التي تعرف علّيتها ولم يشهد لها الشرع بالاعتبار ولا بالإبطال، ولا سيما إذا كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية. وهذه أمور داخلة في مباحث أصول الدين الواسعة. وكان الأئمة القدماء يحترم بعضهم بعضاً ويقدر بعضهم جهود بعض وبحوثه وتقواه ووجهات نظره. ثم جاء المتأخرون فغلا بعضهم في تجريح الآخرين أو التشنيع عليهم وهذا ليس من عادة الأبرار ولا من شأن المفكرين الأحرار. وإذا كان الإمام السبكي قد قال في تعليقه: "ولكل مقصد" فنحن نقول: "ولكل مبادئه التي يبني عليها اعتباراته" وهكذا لا نستغرب قول أبي زرعة تلميذ ابن حنبل حين سئل عن المحاسبي وكتبه فأجاب السائل: "إياك وهذه الكتب. هذه كتب بدع وضلالات. عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة. قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة. بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم، يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق. ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع"(25).


ولد الحارث في زمن الخليفة الهادي ولما تولى هارون الرشيد الخلافة (سنة 170هـ/ 786م) كان يناهز الخامسة. وقد عاصر خلافة الأمين (193/809م) والمأمون (198/813م) والمعتصم (218/833م) والواثق (227/842م) والمتــوكل (232/847م) إذ توفي في عهده.


وهكذا كان عصر الحارث من أبهى عصور الخلافة العباسية وأكثرها غنى ووفرة وازدهاراً. كانت العلوم بأنواعها مزدهرة وكانت الزراعة والتجارة رائجين أي رواج، وكانت القوافل تجوب الطرق البرية محملة بأصناف السلع بين قطر وآخر وكانت البواخر تصل بين أقطار المعمورة مشحونة بأصناف الخيرات من لباس وطعام وتوابل وغيرها. وكانت البصرة من المرافئ المزدهرة إذ ذاك وكان الملاحون إلى جانب حمولات مراكبهم يروون للناس ما شاهدوه في الأقطار النائية كالهند والصين والجزر المنتشرة في خطوط ملاحتهم. وطفق الناس يميلون إلى استماع هذه الأخبار دقيقة أو مبالغاً فيها وإلى قراءة ما يدوّن منها وكذلك ما يترجم من لغات الأقوام الأخرى ولا سيما ما نقل عن الفرس والهند مما يمثل آداب تَيْنك الأمتين ويصف حكمة حكمائهما وأحوال رعاياهما. وشرعت تتكون طائفة من تلك الأخبار المروية والمتناقلة متعددة المصادر ومتفاوتة المقاصد بعضها للتسلية ولترويح النفس وبعضها للموعظة والاعتبار وبعضها للتبصرة والإفادة، وسوف ينضم بعضها إلى بعض في غمار السنين لتؤلف السير الشعبية المشهورة التي تأتي في طليعتها قصة "ألف ليلة وليلة" إذ كانت نواتها التي تجمعت حولها تلك القصص والأخبار رواية "هزار أفسانه" التي نقلت عن الفارسية. ولا شك في أن بعض تلك القصص من أصل بغدادي تصور جوانب الترف التي كانت تتألق في قصور الخلفاء والأمراء والتجار ورجال الجيش وكتاب الدواوين، ومن المعلوم أن الغنى الفاحش لا يأتي بالطرق المشروعة وأن الترف لا يرضى عنه أهل الورع والتقوى، كذلك هو موضع نقمة على لسان الشعراء الحساسين المحرومين مثل ابن الرومي (221/836- 283/896). ولئن بدا هذا الشاعر في بعض الأحيان راضياً عن الحياة الطبيعية المعطاء والدولة الزهراء في قصيدته التي مطلعها:


ضحك الربيع إلى بكا الديم


***فغدا يسوّي النبت بالقمم


إذ يقول:


والدولة الزهراء والزمن المز


*** هار حسبك شافيي قرم


نجدْهُ في قصائد أخرى يندب حظه ويرثي لحاله ويحسد غيره من المحظوظين في الدنيا:


أتراني دون الأولى بلغوا الآ


*** مال من شُرْطة ومن كتّــــاب


وتجارٍ مثل البهائم فــازوا


*** بالمنى في النفوس والأحباب


ثم يتفنن في وصف النعيم والملذات والمجالس والحياة اللاهية التي كان يشاهدها أو يسمع أخبارها:


درُّ صهباء قد حكى درّ بيضا


*** ء عروب كدمية المحراب


تحمل الكأس والحليَّ فتبدو


*** فتنة الناظرين والشرّاب


يا لها ساقياً تديره يداه


*** مستطاباً ينال من مستطاب


لذة الطعم في يدي لذّة الملـ


*** ثم تدعو الهوى دعاء مجاب


حولها من نجارها عِينُ رَمْلٍ


*** ليس ينفك صيدها أُسْد غاب


يونقُ العينَ حسن ما في أكف


*** ثَمَّ تسقي وحسن ما في رقاب


ففمٌ شارب رحيقاً وطَرفٌ


*** شارب ماء لبّةٍ وسخاب


ومزاج الشراب إن حاولوا المز


*** ج رضاب يا طيبَ ذاك الرضاب


من جوارٍ كأنهن جوارٍ


*** يتسلسلن من مياه عذاب(26)


لابسات من الشفوف لبوساً


*** كالهواء الرقراق أو كالسراب


ومن الجوهر المضيء سناه


*** شعلاً يلتهبن أي التهاب


فترى الماء ثمَّ والنار والآ


*** لَ بتلك الأبشار والأسلاب


ويمضي الشاعر في وصف تلك المجالس المترعة بالجمال والترف واللهو والإغراء لينتقل إلى التنديد بأربابها الذين يجلسونها والذين طاش توزيع الثروة فأصابهم منها النصيب الوفير:


فتخايلن باهتزاز غصون


*** ناعمات وبارتجاج روابي


ناهدات مطرّفات يما نعـ


*** ـنك رمانهن بالعنّاب


لو ترى القوم بينهن لأجبر


*** ت صراحاً ولم تقل باكتساب


يريد أن يقول: إن المرء لدى رؤيته ذلك يفضي إلى الجبر لا إلى الكسب والاختيار حين لا تنظم الأمور الاقتصادية تنظيماً عادلاً يمنع الاستغلال والتفاوت الكبير بين حظوظ الناس:


من أناس لا يرتَضون عبيداً


*** وهُمُ في مراتب الأرباب


ولا عجب أن يحفز على الثورة الدموية وهو الشاعر الرقيق:


لهف نفسي على مناكير للنكـ


*** ـر غضاب ذوي سيوف غضاب


تغسل الأرض بالدماء فتضحي


*** ذات طهر ترابها كالملاب


مِنْ كلابٍ نأى بها كلَّ نأي


*** عن وفاء الكلاب غدرُ الذئاب


وإثباتٍ على الظباء ضعافٍ


*** عن وِثاب الأسود يوم الوثاب...


يبدو من خلال هذه الأبيات المنددة الثائرة التهجم اللاذع على الموسرين المتمولين كما نستشف إشارة إلى قضايا الجبر والكسب والاختيار مما كان موضوع جدال بين المذاهب الفلسفية الكلامية إذ ذاك. في هذا الجو الموّار كالبحر ذي الأمواج المتلاطمة بمختلف النزعات والآراء نشأ الحارث في مجالس العلم الديني وحلقات الورع وندوات التقوى فنهض يدافع عن سلامة المجتمع إزاء الترف واللهو ويناضل الاتجاهات التي رآها منحرفة عن مصالح الشعب والرعايا وذلك بالوعظ وهو التبليغ المدقق في نزوات النفوس وفي ميول الطباع ثم بالتأليف المنافح عن صحة العقيدة كما يراها وزيادة على ذلك كله بالمثل الخلقي المتحرج العنيف الذي ضربه في سلوكه وسعيه وتزهده وتصوفه الجانح نحو التقشف الشديد كأن هذا التقشف تعديل يقابل ذلك اللهو والترف ويناقضهما.


-------------------------------


[1]- هو ثُفْل الدهن إشارة إلى التقلل



المصدر: مجلة التراث العربي
مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 41 - السنة 11 - تشرين الأول "أكتوبر" 1990 - ربيع الثاني 1411

هدىمصر
كان ينقص هذا المقال أن يعطينا فكرة عن أهم مؤلفات الحارث المحاسبي وأهم الاتجاهات أو القضايا التي تناولها في مؤلفاته.

سارهمصر
المقال رائع وموضعي ودقيق
وافضل مافيه انه لم يستطرد الى ماليس بصدده .

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة

       


كتاب التجليات الروحية فى الإسلام


مقدمة كتاب (التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح)


المنامات في ثقافة المسلمين، بوابات العبور إلى ضفاف المستقبل


بحر بلا ساحل : ابن عربي والكتاب والشَّرْع




النظر الدقيق
كتاب التجليات الروحية فى الإسلام
مقدمة كتاب (التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح)
فلسفة التصوف - كتاب تحليلي لفكر النفري وتاريخه