الرئيسية       أرسل مقالا       الارشيف       من نحن       اتصل بنا

تاريخ التصوف الاسلامي
طرق و أعلام الصوفية
عبادات و علوم الصوفية
بيوت الله و مقامات الصالحين
سين جيم التصوف
منوعات صوفية

التصوف في عصر العولمة
التصوف و الثقافة العالمية
المراة ما لها و ما عليها

فكر و ثقافة
قضايا و حوارات

أخبار-مهرجانات-دعوات
علوم و تكنولوجيا



منوعات صوفيةالسلام في القرآن الكريم

السلام في القرآن الكريم

( الدكتور عرفان عبد الحميد)
السلام أنسٌ وطمأنينة وأمان ، وهو مودة ورحمة وصفاء ضمير ونقاء سريرة ونضارة وجدان ، وهو قبل ذلك كله علاقات إنسانية سوية بين الخلائق لا ضرر فيها ولا ضرار . انه حب غامر يضفي على النفس الإنسانية مشاعر السماحة والقداسة ، فتغدو نفساً تقية نقية لا يعكر صفو أمنها خوف من غدر أو خيانةٌ مُبيتة من آثم ، أو ترقّبُ جناية من ظالم جهول .
السلام الذي تنشده النفس الإنسانية وتهفو إليه ، وتتعلق الجماعات وتتشبث به ، أول درجاته : الدخول في السلام مع رب الأرباب وخالق الوجود ، وذلك باستسلام العبد وانقياده وخضوعه طواعية وعن رشاد لإرادة الله تعالى . ومن هنا فان مسيرة الطهر والنقاء والقداسة في الحياة تبدأ بالاستسلام لله تعالى : ( وأمرتُ أن أُسلِمَ لربّ العالمين )(1) وبهذا الدخول الإرادي الطوعي في إمرة رب العزة ، وبالفناء في إرادته وبالاستغراق بالكلية في جلاله وجماله تعالى ، يكون العبد قد دشن أولى خطواته نحو الهداية ، سالكاً بذلك طريق السلامة الموصلة إلى دار السلام : ( يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ )(2) .
والهداية في عرف القرآن الكريم ومنهجه :
نور إلهي يَقذفُه الباري تعالى في روع من أسلم وجهه له وفُنيَ في إرادته ، وبه يسبغ تعالى نعمه ظاهرة وباطنة على عبده ، ويعصمه من الزلل والخطأ وموارد الفتنة والعصيان ، ويقربه من خشيته وطاعته ومحبته ورضاه والأنس بقربه ، قال تعالى : ( وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى )(3) .
ومع دخول العبد المؤمن في السلام مع ربه وخالقه ، فانه سالك ـ لا ريب ـ طرق السلام مع ذاته والناس من حوله ، كيف لا وقد صارت الطمأنينة له حالة نفسية سوية ، ومقاماً ثابتاً راسخاً ، ويقيناً لا يعرف التفاوت والاضطراب ، وحياة سنية رفيعة لا تنافر فيها ولا تضاد . ومن هنا فان شأن المؤمن المتحقق بالسلام ، حالةً ومقاماً ومعايشة أن يحّكِم هذا الموجه العام للسلوك في علاقاته مع الناس من حوله ، بل ومع سائر أصناف الموجودات ، تحكيماً مسدّداً بلا توتر يفسد عليه صفاءه وطهره ونقاءه ، أو جهالة وعصبية تخرجه عن طوره وطبعه وحاله الذي استقر عليه أو قلق مزعج يقتل أمنه وأمانه ، أو نزوة طارئة إلى وجاهة وسلطان زائف زائل تغتال ضميره ووجدانه ، فإذا خاطبه جاهل مستكبر بعبارة نابية ، أو واجهه سفيه متسلط بموقف منكر مرذول ، أو حاول مختال أن يغتال يقينه ، أو سعى شيطان من الإنس أن يشري ضميره ، كان جوابه الصادر عن حاله الذي استقر عليه : سلام متاركة ونفي صحبة : ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً )(4) ، وكان رده على فجور الفاجرين ، وفساد المفسدين وضلال المنحرفين قول رقيق رحيم ينمّ عن متانة في الخلق ورسوخ قدم في اليقين ، وصفاء لا يمكن لعارضة ان تكدر صفوه ونقاءه .كذلك أقام القرآن الكريم الفصل بين حالتين متعارضتين : حالة يسود فيها السلام بين الناس ، وتلك التي يغيب عنها السلام مؤكداً أن السلام هو منهاج القاسطين وطريقة العقلاء إلى الحوار المثمر البناء في الفصل بين الحق الذي لا شك فيه ، وبين الباطل الذي لا مِرية فيه .ذلك إن السلام ـ كحالة نفسية تغشى النفس الآمنة المطمئنة ، من شأنه أن يعصم الإنسان من التهور في إصدار الأحكام ومن الانكفاء على القناعات الذاتية الضيقة ، ومن الجري وراء الباطل ، وبذلك يفتح السلام أمام العقل الإنساني سُبُلَ الحجاج المستنير ، والتفاهم القائم على أساس من المصالح المشتركة والمنافع العامة ، ويهيئ الأجواء الايجابية الصحيحة للتثاقف بين الحضارات وتبادل الآراء والأحكام بين الأطراف المختلفة . ولهذا فقد صار من الحقائق المسلمة بها عند العقلاء أن العداوة والبغضاء ، ودورات الحقد المسلحة ، والاقتتال وسفك الدماء ومناهج العنف بين الأطراف المتصارعة ، كل ذلك نتائج محتملة ، بل ومتحققة فعلاً وواقعاً في غياب الحوار الذي ينشطه ويغذيه السلام . ولهذا دعا الكتاب العزيز المؤمنين كافة للدخول إلى السلام ، خزانة الخير المرتقب للجميع ، فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً )(5). وقال تعالى : ( وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ )(6) وقال تعالى : ( فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ )(7) . وقد أفاض القرآن الكريم في بيان ان الدعوة إلى السلام كانت دعوة نبي ومنهج كل رسول لان السلام في دين المؤمنين وعرف العقلاء والصلحاء حالة ايجابية سوية ، انه بناء وأعمار ، وتقويم مستمر للأخطاء ، ومراجعة نقدية للذات ، ودعوة إلى صحوة الضمير ونقاء السريرة والتواصل مع الحياة ، ونقيضه حالة سلبية هادمة مدمرة ، انه خراب وهلاك وضياع وشحناء وبغضاء ، ولهذا جاءت دعوات الأنبياء والرسل مؤكدة للأولى رافضة للثانية ، وفاقاً مع مطالب الحياة ، قال تعالى : ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ) وقال تعالى : ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ) .
وفوق كل ما ذكرنا من شواهد ترددت في الكتاب العزيز لأكثر من مائة مرة ، فان الله تعالى قد وصف ذاته العلية بالسلام الذي هو أحد أسمائه الحسنى : ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) .
وصدوراً عن هذا كله صارت امة القرآن ، التي تربت في أحضانه ، وارتوت من معين فيضه ، امة تدعو إلى السلام ، وتنبذ القتال والحرب والصراع ، إلا ان تكون الحربُ حالة طارئة عارضة ، لها دواعيها الملجئة إليها باضطرار دفاعاً عن : ارض سلبت غصباً وجبراً أو ارض استحلت ظلماً وعدواناً أو تاريخ انتهك سفاهة وتجبراً أو دين ومعتقد حرّف وبّدل جزافاً أو اختيار لمنهج في الحياة يتربص به ، وبأتباعه الغادرون الظالمون أو دعوة سمحاء إلى الله تعالى يقف في وجه دعاتها المنتفعون تكبراً وطغياناً.فلا سبيل عندئذ لإقامة السلم إلا بالدفاع عنه وعن معانيه ومقاصده ، قال تعالى : ( فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ).من أجل هذا كله ، ولان السلام حالة أمن وطمأنينة وأمان ، يتحقق به إحقاق حق معلوم وإزهاق باطل مزعوم ، ولان الوقوف بوجه المتربصين به والداعين إليه طريق الشهادة فان الله تعالى قد وعد أهله وحزبه وجنده برحمة منه جزاء ما صبروا على المكاره ، وبنعمة سابغة تغشاهم كلما غشيتهم ظروف من المعاناة قاسية ، وتكالبت عليهم شراسة المعتدين من كل حدب وصوب ، ونالت منهم حراب الغادرين بلا ذنب اقترفوه ، فقد صار جزاء صبرهم ومصابرتهم أن تتلقاهم الملائكة يوم الحج الأكبر والحساب الفصل بالبشارة والخلاص الأبدي والخلود ، مرحبين بهؤلاء الممتحنين المحتسبين أجرهم عند الله.( سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) قائلين في استقبالهم : ( لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) (8) .

_______________________________________
الهوامش :

1- غافر : 66 .
2- المائدة : 16 .
3- لقمان : 22 .
4- الفرقان : 63 .
5- البقرة : 208 .
6- يونس : 25 .
7- الزخرف : 89 .
8- مقالة للدكتور عرفان عبد الحميد فتاح في مجلة الرسالة الإسلامية تصدرها وزارة الأوقاف العراقية لسنة 1991 .


تأريخ النشر :29-9-2013

alaminiyaalaminiya
asalamo alaykom

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة

       


ميلاد النبي: الحدث.. وطرق الاحتفال


قصيدة للراحل نزار قباني في مدح حضرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم


الحكمة من النوم في المنظور الصوفي


جاء الربيع




تهنئة السيد الشيخ الدكتور نهرو الكسنزان بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك
الصوفية واللسان
غزوة بدر الكبرى.. مواقف وعبر
الصيام لي