الرئيسية       أرسل مقالا       الارشيف       من نحن       اتصل بنا

تاريخ التصوف الاسلامي
طرق و أعلام الصوفية
عبادات و علوم الصوفية
بيوت الله و مقامات الصالحين
سين جيم التصوف
منوعات صوفية

التصوف في عصر العولمة
التصوف و الثقافة العالمية
المراة ما لها و ما عليها

فكر و ثقافة
قضايا و حوارات

أخبار-مهرجانات-دعوات
علوم و تكنولوجيا



عبادات و علوم الصوفيةمقوّمات الأخلاق عند الغزالي

مقوّمات الأخلاق عند الغزالي

عزت السّيد أحمد
يعد الإمام (الغزالي –450هـ/505هـ 1111م) واحداً من ألمع المفكرين العرب والمسلمين وأذيعهم صيتاً، لما نهض به من دور حاسم فعال على الصعيدين الديني والفلسفي، فاستحق على الصعيد الأول لقب حجة الإسلام، "ولعله –على الصعيد الثاني- بشهادة معظم النقاد والمفكرين، الوحيد من بين فلاسفة المسلمين، الذي انتهج أسلوباً فلسفياً مميزاً مستقلاً عن أسلوب المدرسة اليونانية، مفتتحاً بذلك أسلوباً فلسفياً جديداً"(1) "وليس من ريب في أنّ تجربة (الغزالي) الفلسفية تجربة غنية معقدة حية تتسم بالذكاء في كل مجرى ومنعطف وآن"(2).‏
فمن الإمامُ (الغزالي)؟‏
الحق أن ثمة مصادر جد كثيرة تطلعنا على حياة الإمام (الغزالي) بمختلف مراحلها، وعلى فلسفته، ولذلك نستفيض في الحديث عن حياته وفلسفته، وإنما سنكتفي بالمختصر الوجيز الذي يقتضيه البحث.‏
هو: (زين الدين محمد بن محمد بن محمد الغزالي(2) الطوسي(4)...) والمعروف باسم: (أبو حامد الغزالي) وبلقب "حجة الإسلام"، ولد سنة 450هـ-1058م، بدأ بتلقي علوم الدين الإسلامي مبكراً، ثم الفسلفة، وباشر التعليم بنجاح وتفوق، وقد درس كما أخبرنا كل الفرق الدينية والكلامية والفلسفية دراسة متبصر خبير، حتى فقهها وتمكن من الرد عليها جميعاً، ودحض الخاطئ منها بانتقادها من داخلها، لإيمانه بعدم جدوى النقد الخارجي، لأنه يظل سطحياً، بعيداً عن جوهر وحقيقة الموضوع المنتقَد، وقد دفعه إلى ذلك أن صديقاً حكى له أن المتفلسفة "يضحكون على تصانيف المصنفين في الرد عليهم، لأنهم لم يفهموا بعد حجتهم"(5) وليخلص من ذلك إلى أن خير وأقوم سبيل للإنسان هو سبيل التصوف الذي رسم لنا معالمه وحدده في أكثر من كتاب، ولعل أبرزها "إحياء علوم الدين" و "المنقذ من الضلال".‏
ورغم أنه تنكر لكثير من آراء الفلاسفة ونظرياتهم، وعلى وجه التخصيص ما يتعارض مع تعاليم الإسلام ومبادئه، إلا أنه لم يفعل ذلك إلا بتأييد الحجة والبرهان المناسبين لكل موقف ومقال، ولذلك ظل أميناً للحقيقة، حريصاً عليها، مؤيداً للعلم، مناصراً له، حتى قدم لنا دعائم قوية يقيم عليها بناء المعرفة بناءً سليماً:‏
1-فلقد وضع للمعرفة منهجاً قويماً.‏
2-وللعلم حداً دقيقاً يخلصه من عناصر الغموض واللبس.‏
3-وأظهر استحالة الوثوق بالعقل عن طريق العقل نفسه.‏
4-وضرب أمثلة جديرة بالاعتبار لبيان إمكان خطأ العقل في أحكامه. وأخرى لبيان إمكان خطأ الحواس.‏
5-ورد أساس المعرفة إلى الإلهام لا إلى العقل، إذ لولا الثقة في أن الله لا يمنـحنا طبيعة مزيفة لما أمكنـنا التعويل على العقل في اكتـساب المعـرفة(6).‏
وتوفي الإمام (الغزالي) عن عمر يناهز الخمسين عاماً، في الرابع عشر من شهر جمادى الآخرة سنة 505هـ الموافق لسنة 1111م، بعدما قدم لنا عدداً كبيراً جداً من الكتب والرسائل، لعل أهمها: مقاصد الفلاسفة ومعيار العلم وتهافت الفلاسفة والمنقذ من الضلال وإحياء علوم الدين والقسطاس المستقيم وميزان العمل وإلجام العوام عن علم الكلام ومنهاج العارفين... وغيرها الكثير مما يضيق المجال عن ذكره الآن(6) فهو من أكبر المؤلفين حتى قيل إن مؤلفاته قد قسمت على أيام حياته فخص كل يوم بأربعة كراريس.‏
فلسفته الأخلاقية‏
لم يكن علم الأخلاق بالعلم المحدث أيام (الغزالي) فكثيرون أولئك الذين تناولوا مسائل الفلسفة الأخلاقية قبله، سواءٌ أكان في الفكر العربي الإسلامي أم في الفكر اليوناني، والحق أن تتبع ما أثاره الإمام (الغزالي) من مسائل تخص الفلسفة الأخلاقية يقودنا إلى أن أنه قد عالج هذه المسائل انطلاقاً من وجهتي نظر متباينتين شكلياً، على أن ذلك ليس يعني تناقضاً في فكر (الغزالي) وإنما هي نقلة من المستوى الفلسفي إلى المستوى الديني، فقد نظر إلى الأخلاق نظرة دينية وقادها في منحى صوفي، في الوقت الذي كان يعالجها ويتعامل معها بأسلوب الفيلسوف ولغته، إلا أننا لا نميل إلى الفصل بين آرائه على هذا النحو، ذلك أن ثمة تداخلاً وتشابكاً بينهما على نحو يجعل هذا التفاصل غير مسوغ، فالنزوع الفلسفي لم يفارق الغزالي في أي من كتبه، كما أن تأثير التعاليم والمبادئ الدينية قد ظل واضحاً أيضاً، بل كان الطابع المميز له.‏
ومن أهم الكتب التي تناول فيها المسألة الأخلاقية هي إحياء علوم الدين وميزان العمل ومنهاج العارفين والأربعين في أصول الدين والأدب في الدين ونصيحة الملوك والقواعد العشرة والمنقذ من الضلال... وغيرها.‏
أولاً: الأخلاق وعلم الأخلاق:‏
أ-تعريف الأخلاق:‏
يقدم (الغزالي) أكثر من تعريف للأخلاق، ولكنها تعريفات متقاربة يصل بينها خط واحد يتمثل بإصراره الدائم على التمييز بين الخلق الحسن والخلق السيئ، ولعل أكثر هذه التعريفات دقة وضبطاً هو التعريف الذي قدمه لنا في "الإحياء" حيث يقول بعدما يبين لنا أن الأخلاق هي الصورة الباطنة للإنسان: "الخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلاً وشرعاً، سميت تلك الهيئة خلقاً حسناً، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً، وإنما قلنا إنها هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور لحاجة عارضة لا يقال خلقه السخاء، ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ، وإنما اشترطنا أن تصدر الأفعال بسهولة من غير روية لأن من تكلف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وروية لا يقال خلقه السخاء والحلم"(8).‏
والحق أن الإمام (الغزالي) لم يبتعد بهذا التعريف عن التعريفات المعاصرة للأخلاق على تعددها وتباينها، ذلك أنه ركز مفهومه للأخلاق على الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها الفعل الأخلاقي ويصدر عنها، وهي الرسوخ في النفس والتّلقائية، وأعني بذلك الوجدان والنية، إذ الفعل الأخلاقي العرضي ليس موجباً لوصف فاعله بأنه أخلاقي، أو غير أخلاقي، كما أن إطالة التفكير وتكلف الجهد لدفع الذات إلى الفعل الأخلاقي ليس كافياً لاعتبار صاحب الفعل متخلّقاً به.‏
ب-شروط الفعل الأخلاقي:‏
انطلاقاً من تعريفه للأخلاق يبين لنا الإمام (الغزالي) شروط الفعل الأخلاقي فيرى أنها أربعة:‏
أحدها: فعل الجميل والقبيح.‏
والثاني: القدرة عليهما.
والثالث: المعرفة بهما.‏
والرابع: هيئة للـنفس بها تميل إلى أحـد الجانبين ويتيسـر عليها أحد الأمريـن(9).‏
ومن ذلك يتبين لنا أن هذه الشروط الأربعة للفعل الأخلاقي متلازمة متكاملة، أولها وجود الفعلين: الجميل والقبيح. وثانيها: قدرة المرء على فعلهما معاً، وثالثها: معرفته بالفعل الذي يقوم به وقيمته التي يحققها، وأخيراً الفعل الأخلاقي بحد ذاته وهو أهمها، هذا الفعل الذي ينبغي أن يكون صدوره من غير روية وتفكير، أي بصورة تلقائية، ولذلك كما يقول الإمام (الغزالي): "وليس الخلق عبارة عن الفعل، فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل إما لفقد المال أو المانع، وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل لباعث أو لرياء، وليس عبارة عن القوة لأن نسبة القوة إلى الإمساك والإعطاء بل إلى الضدين واحد، وكل إنسان خلق بالفطرة قادراً على الإعطاء والإمساك، وذلك لا يوجب خلق البخل ولا خلق السخاء، وليس هو عبارة عن المعرفة فإن المعرفة تتعلق بالجميل والقبيح جميعاً على وجه واحد، بل هو عبارة عن المعنى الرابع، وهو الهيئة بها تستعد النفس لأن يصدر عنها هذا الإمساك والبذل، فالخلق إذن عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة"(10).‏
ج-علم الأخلاق:‏
إذا كانت الأخلاق هي صورة النفس وهيئتها الباطنة، فما علم الأخلاق؟‏
يقول الإمام (الغزالي) في خاتمة كتابه "معيار العلم": "إذا كانت السعادة في الدنيا والآخرة لا تنال إلا بالعلم.. وكان يشتبه الحقيقي بما لا حقيقة له... وافتقر بسببه إلى معيار.. فكذلك يشتبه العمل الصالح النافع في الآخرة بغيره.. فيفتقر إلى ميزات تدرك به حقيقته.. فلنصنف كتاباً في ميزان العمل كما صنفناه في (معيار العلم)(11). وكأنه يريد أن يقول لنا إن ميزان العمل هو علم الأخلاق، أي أن علم الأخلاق هو العلم الذي يزين الأعمال البشرية ويميز بينها ليدلنا على العمل الصالح النافع الذي يقودنا إلى السعادة، كما يبين لنا العمل الفاسد السيئ الذي يوصلنا إلى الشقاء.‏
وبهذا المعنى يستهل الإمام (الغزالي) كتابه (ميزان العمل) فيقول: "لما كانت السعادة التي هي مطلب الأولين والآخرين لا تنال إلا بالعلم والعمل.. وجب معرفة العمل المسعد والتمييز بينه وبين العمل المشقي، فافتقر ذلك أيضاً إلى ميزان، فأردنا أن نخوض فيه.. ونبين أن لا طريق إلى السعادة إلا بالعلم والعمل، ثم نبـين العلم وطريـق تحـصـيله، ثم العمل المـسـعد وطريـقه"(12).‏
ثانياً: تهذيب الأخلاق:‏
إن الحديث عن إمكانية تغيير الخلق وتهذيبه يفترض مسبقاً تبايناً في درجات الخلق، وأن ثمة أخلاقاً مثلى وأخلاقاً دنيا، وهذا التهذيب يهدف إلى توجيه المرء نحو الخلق الأحسن والأمثل ولذلك لابد لنا قبل الحديث عن تغيير الأخلاق وتهذيبها من أن نعرض للخلق الحسن الذي يعده (الغزالي) الغاية المرجوة من تهذيب الأخلاق.‏
1-الخلق الحسن:‏
لم يقنع الغزالي بالتعريفات الكثيرة للخلق الحسن التي درج العلماء والفقهاء والأدباء على استخدامها، ذلك أنها لم ترقه إلى الدلالة المفهومية للخلق الحسن، أي لم تعرض لحقيقته، وإنما كانت تعرض لثمرة الخلق الحسن، كأن يقال الخلق الحسن هو "بسط الوجه وبذل الندى وكف الأذى، أو هو إرضاء الخلق في السراء والضراء..."(13) وغير ذلك من التعريفات الكثيرة التي لا تعدو –كما يقول (الغزالي)- كونها عرضاً لثمرات الخلق الحسن. ولذلك لم يجد (الغزالي) بداً من تعريف الخلق عامة بادئ ذي بدء، ثم يبين ماهية الخلق الحسن فيقول:‏
"فالخلق إذن عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة، وكما أن حسن الصورة الظاهرة مطلقاً لا يتم بحسن العينين دون الأنف والفم والخد بل لابد من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر، فكذلك في الباطن أربعة أركان لابد من الحسن في جميعها حتى يتم الخلق، فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق وهو: قوة العلم، وقوة الغضب، وقوة الشهوة، وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث"(14).‏
إن صلاح هذه القوى الثلاث وتهذيبها أو العدل في استخدامها وتوظيفها هو حسن الخلق، والحق أن ثمة توافقاً وانسجاماً بين ما عرضه الإمام (الغزالي) في كتابيه (الإحياء) و (الميزان) حول هذه القوى الثلاث وتعريف الخلق الحسن، وإن تعددت التسميات بين مكان وآخر.‏
أما القوة الأولى وهي قوة العلم أو التفكير أو العقل "فإذا صلحت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة، والحكمة رأس الأخلاق الحسنة... وثمرتها أن يتيسر (للمرء) الفرق بين الحق والباطل في الاعتقاد، وبين الصدق والكذب في المقال، وبين الجمـيل والقـبيح في الأفعـال، ولا يلتبس عليه شيء من ذلـك"(15).‏
والقوة الثانية قوة الغضب أو الحمية الغضبية "وحسنها في أن يصير انقباضها وانبساطها على حد ما تقتضيه الحكمة")(16) "وبقهرها وإصلاحها يحصل الحلم، وهو كظم الغيظ، وكف النفس عن التشفي..."(17).‏
وأما القوة الثالثة وهي الشهوة "فحسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة، إشارة العقل والشرع(18) "وبإصلاحها تحصل العفة حتى تنزجر النفس عن الفواحش، وتنقاد للمواساة والإيثار المحمود بقدر الطاقة"(19).‏
2-علامات الخلق الحسن:‏
لأن غاية الأخلاق كما يرى (الغزالي) هي سعادة الآخرة فلابد من أن يستقي الفعل الأخلاقي قيمته من الإيمان بالله وما يقتضيه هذا الإيمان من التزام بالأوامر والنواهي، ولذلك لجأ الإمام (الغزالي) إلى القرآن الكريم ليستمد منه علامات الخلق الحسن، ثم يعرج على الأحاديث النبوية الشريفة ليستمد منها أيضاً مؤشرات الخلق الحسن(20) ولا يكتفي بذلك بل يقدم لنا هذه العلامات على نحوين فيقول:‏
وجمع بعضهم علامات حسن الخلق فقال: هو أن يكون المرء كثير الحياء قليل الأذى كثير الصلاح صدوق اللسان، قليل الكلام كثير العمل، قليل الزلل قليل الفضول، برّاً وصولاً وقوراً صبوراً شكوراً رضياً حليماً رفيقاً عفيفاً شفيقاً، مدلعّاناًً أو لا سباباً ولا نماماً ولا مغتاباً ولا عجولاً ولا حقوداً ولا بخيلاً ولا حسوداً، بشاشاً هشاشاً يحب في الله ويبغض في الله ويرضى في الله، فهذا هو حسن الخلق"(21).‏
ويقول أيضاً: "علامة حسن الخلق عشر خصال؛ قلة الخلاف، وحسن الإنصاف وترك طلب العثرات،وتحسين ما يبدو من السيئات. والتماس المعذرة، واحتمال الأذى، والرجوع بالملامة على النفس، والتفرد بمعرفة عيوب نفسه دون عيوب غيره، وطلاقة الوجه للصغير والكبير، ولطف الكلام لمن دونه ولمن فوقه"(22) ولمزيد هذه العلامات قدم لنا عن كل واحدة قصة أو حادثة، ثم ليقول "ومن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات، فوجود جميع هذه الصفات علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق، ووجود بعضها دون بعض يدل على البعض دون البعض، فليشتغل بتحصيل ما فقده وحفظ ما وجده"(23).‏
ولكن ألا يحتمل أن يلتبس على المرء في بعض الأحيان فلا يدري إن كان مخطئاً أم مصيباً في تخلقه بإحدى القيم الأخلاقية؟ لقد انتبه (الغزالي) إلى هذه المسألة ولذلك قدم لنا ميزاناً نزين به كل قيمة أخلاقية، هذا الميزان هو الاعتدال بين النقيضين، وقدم لنا أيضاً ميزاناً نزين به هذا الاعتدال لنعرف إن كان على صواب أم لا، فيقول مبيناً ذلك بمثال:
"وأما علامات عودها إلى الصحة بعد المعالجة فهو أن ينظر في العلة التي يعالجها، فإن كان يعالج داء البخل فالمطلوب الاعتدال بين التبذير والتقتير حتى يكون على الوسط وفي غاية البعد عن الطرفين، فإن أردت أن تعرف الوسط فانظر إلى الفعل الذي يوجبه الخلق المحذور. فإن كان أسهل عليك وألذ من الذي يضاده فالغالب عليك ذلك الخلق الموجب له، مثل أن يكون إمساك المال وجمعه ألذ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقه فاعلم أن الغالب ألذ عندك وأخلف عليك من الإمساك بالحق فقد غلب عليك التبذير فارجع إلى المواظبة على الإمساك، فلا تزال تراقب نفسك وتستدل على خلقك بتيسير الأفعال وتعسيرها حتى تنقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى المال فلا تميل إلى بذله ولا إلى إمساكه"(24)؟‏
والحقيقة أن الإمام (الغزالي) قد أدرك عسر هذه العملية وصعوبتها ذلك أن "الوسط الحقيقي بين الطرفين في غاية الغموض بل هو أدق من الشعر وأحد من السيف... ولأجل عسر الاستقامة وجب على كل عبد أن يدعو الله تعالى"(25) كيما يتحسن خلقه ويقترب من الصراط المستقيم.‏
3-إمكان تغيير الخلق:‏
يفرد (الغزالي) فصلاً خاصاً لتأكيد إمكانية تغيير الأخلاق والذي دعاه إلى ذلك أنه وجد أناساً جنحوا باعتقادهم إلى أن الخُلق كالخَلق لا يقبل التغيير ظناً منهم أن المطمع في تغيير الأخلاق إنما هو طمع في تغيير خلق الله عز وجل، وهذا اعتقاد باطل لا أساس له من الصحة. ويستدل على ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام "حسنوا أخلاقكم" ويعقب على ذلك قائلاً: "ولو لم يكن ممكناً لما أمر به، ولو امتنع ذلك لبطلت الوصايا والمواعظ والترغيب والترهيب، فإن الأفعال نتائج الأخلاق" (26) بل ويتعدى ذلك إلى المقارنة بين الحيوان والإنسان من هذه الناحية بنوع من الاستفهام الاستنكاري فيقول: "بل كيف ينكر تهذيب الإنسان مع استيلاء عقله، وتغيير خلق البهائم ممكن، إذ ينتقل الصيد من التوحش إلى التأنس، والطلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد وكل ذلك تغيير للأخلاق"(27).‏
ودفعاً للشبهة التي ألبست على بعض الناس ودفعتهم إلى الاعتقاد بعدم إمكان تغيير الأخلاق يبين الإمام (الغزالي) أن "الموجودات منقسمة إلى قسمين أولهما ما لا مدخل للآدمي واختياره في أصله وتحصيله كالسماء والكواكب، بل أعضاء البدن داخلاً وخارجاً، وسائر أجزاء الحيوانات، وبالجملة كل ما هو حاصل كامل وقع الفراغ من وجوده وكماله.
والقسم الثاني ما وجد وجوداً ناقصاً وجعل فيه قوة لقبول الكمال بعد أن وجد شرطه، وشرطه قد يرتبط باختيار العبد، فإن النواة ليست بتفاح ولا نخل، ولكنها قابلة بالقوة لأن تصير نخلاً بالتربية وغير قابلة لأن تصير تفاحاً، وإنما تصير نخلاً إذا تعلق بها اختيار الآدمي في تربيتها –وانطلاقاً من هذه الحقيقة وبالاستناد إليها يعقب (الغزالي) قائلاً: -فلذلك لو أردنا أن نقلع بالكلية الغضب والشهوة من أنفسنا، ونحن في هذا العالم عجزنا عنه، ولكن لو أردنا قهرهما، وإسلاسهما بالرياضة والمجاهـدة قـدرنا علـيه"(28).‏
4-تغيير الأخلاق بالرياضة:‏
يقر (الغزالي) بادئ ذي بدء بأن الجبلات (الطبائع) مختلفة ومتباينة فيقسمها لذلك إلى سريعة القبول وبطيئة القبول، ويرى لاختلافها سببين "أحدهما باعتبار التقدم في الوجود، فإن قوة الشهوة وقوة الغضب، وقوة التفكير موجودة في الإنسان، وأصعبها تغييراً وأعصاها على الإنسان قوة الشهوة، فإنها أقدم القوى وجوداً، وأشدها تشبثاً والتصاقاً، فإنها توجد معه في أول الأمر، حتى توجد في الحيوان الذي هو جنسه، ثم توجد قوة الحمية والغضب بعده، وأما قوة التفكير، فإنها توجد آخراً، والسبب أنه يتأكد الخلق بكثرة العمل بموجبه والطاعة له"(29).‏
ثم يقسم الناس في تغيير الخلق إلى أربع مراتب، هي التي تحتاج إلى إصلاح وتهذيب أخلاقها وهذه المراتب هي:‏
"الأولى: وهو الإنسان الغفل الذي لا يميز بين الحق والباطل، والجميل والقبيح، بل بقي كما فطر عليه خالياً عن جميع الاعتقادات ولم تستنم شهوته أيضاً باتباع اللذات، فهذا سريع القبول للعلاج جداً، فلا يحتاج إلا إلى معلم ومرشد، وإلى باعث من نفسه يحمله على المجاهدة فيحسن خلقه في اقرب زمان.‏
والثانية: أن يكون قد عرف قبح القبيح، ولكنه لم يتعود العمل الصالح بل زين له سوء عمله فتعاطاه انقياداً لشهواته وإعراضاً عن صواب رأيه لاستيلاء الشهوة عليه، ولكن علم تقصيره في عمله فأمره أصعب من الأول، إذ قد تضاعف الوظيفة عليه، إذ عليه قلع ما رسخ في نفسه أولاً من كثرة الاعتياد للفساد، والآخر أن يغرس في نفسه صفة الاعتياد للصلاح، ولكنه بالجملة محل قابل للرياضة إن نهض لها بجد وتشمير وحزم.‏
والثالثة: أن يعتقد في الأخلاق القبيحة أنها الواجبة المستحسنة، وأنها حق وجميل، وتربى عليها، فهذا يكاد تمتنع معالجته ولا يرجى صلاحه إلا على الندور وذلك لتضاعف أسباب الضلال.‏
والرابعة: أن يكون من نشأته على الرأي وتربيته على العمل به يرى الفضيلة في كثرة الشر واستهلاك النفوس، ويباهي به، ويظن أن ذلك يرفع قدره، وهذا هو أصعب المراتب. وفي مثله قيل: ومن العناء رياضة الهرم، ومن التعذيب تهذيب الذيب.‏
والأول: من هؤلاء جاهل فقط، والثاني: جاهل وضال، والثالث: جاهل وضال وفاسق، والرابع: جاهل وضال فاسق وشرير"(30).‏
إن الإمام (الغزالي) بهذا التقسيم للنفوس التي يعوزها التغيير والإصلاح في أخلاقها يبين لنا حقيقة مهمة وهي ارتباط هذا التغيير والإصلاح بالاستعداد والقابلية لهما ارتباطاً وثيقاً غير منفك، وارتباطها كذلك بالحامل الفكري لهذه الأخلاق، أي بقناعات المرء حول سلوك معين، فمن اقتنع أن الزنا فضيلة وترسخ ذلك في نفسه، لن يقبل بالعفاف فضيلة. وتغيير هذا الخلق من وجهة نظر هذا الإنسان إنما تكون باتجاه تعزيز (الزنا) وتوكيده لأنه يرى فيه قيمة أخلاقية إيجابية، وبالتالي فإن إصلاح هذا المرء كما يقول الإمام (الغزالي) أمر جد صعب. بل هو أصعب المراتب، وهو بحكم الميؤوس من صلاحه وإصلاحه.‏
ولكن كيف يمكن تغيير الأخلاق بالرياضة؟‏
ما إن يتوفر لدى المرء الاستعداد اللازم والقابلية لتغيير الأخلاق حتى يغدو التغيير سهلاً يسيراً، ذلك أن هذا التغيير يهدف إلى إكمال النفس وتزكيتها وتصفيتها، وطريق هذا التغيير هو الارتياض والاعتياد على الخلق الحسن، فمن أراد أن يتخلق بخلق ما عليه أن ينكب على عادة لها تتبعه من غير روية وتفكير، وفي ممارسته حتى يرسخ في النفس ويصبح عادة لها تتبعه من غير روية وتفكير وفي ذلك يقول:‏
"اعلم أن المقصود من المجاهدة والرياضة بالأعمال الصالحة تكميل النفس وتزكيتها وتصفيتها لتهدي بأخلاقها، وبين النفس وبين هذه القوى نوع من العلاقة، تضيق العبارة عن تعريفه على وجه يتشكل في خزانة التخيل، لأن هذه العلاقة ليست محسوسة بل معقولة، وليس من غرضنا تبيان تلك العلاقة، ولكن كل واحد من النفس والبدن متأثر بسبب صاحبه، فإن النفس إن كملت وكانت زاكية، حسنت أفعال البدن، وكانت جميلة، وكذا البدن، إن جملت آثاره حدث منها في النفس هيئات حسنة وأخلاق مرضية.‏
فإذن الطريق إلى تزكية النفس اعتياد الأفعال الصادرة من النفوس الزاكية الكاملة، حتى إذا صار ذلك معتاداً بالتكرار، مع تقارب الزمان، حدث منها هيئة للنفس راسخة تقتضي تلك الأفعال، وتتقاضاها بحيث يصير ذلك له بالعادة كالطبع، فيخف عليه ما كان يستثقله من الخير، فمن أراد مثلاً أن يحصل لنفسه خلق الجود فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجواد، وهو بذل المال، ولا يزال يواظب عليه حتى يتيسر عليه، فيصير بنفسه جواداً، وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع، وغلب عليه التكبر، فطريقه في المجاهدة أن يواظب على أفعال المتواضعين مواظبة دائمة، على التكرار مع تقارب الأوقات"(31).‏
إن المواظبة على التخلق بخلق معين تورث في النفس منه صفة راسخة، هي بمثابة الطبع المتأصل في النفس الذي تصدر عنه الأفعال من غير كد روية، إذ "العجب أن الأمر بين النفس والبدن دور، إن بأفعال البدن تكلفاً، يحصل للنفس صفة، فإذا حصلت الصفة فاضت على البدن فاقتضت وقوع الفعل الذي تعوده طبعاً، بعد أن كان يتعاطاه تكلفاً"(32).‏
يبدو جلياً من خلال ذلك أن الإمام (الغزالي) يرى أن الإنسان مجبول على الخير والشر معاً، وطبيعة التربية والارتياض والاعتياد هي التي تورث المرء طبعه الغالب عليه، من حسن أو سوء، خير أو شر، وصلاح أو فساد... فمن نشأ في منبت فاسد شرير غلب عليه طبع الفساد والشر... ومن نشأ في منبت صالح حسن ظلَّ على مثل ما نما عليه من صلاح ورشاد.‏
ولذلك فإن الإمام (الغزالي) لم ير في تغيير الأخلاق إعداماً وقضاءً مبرماً على بذرة الشر والسوء والفساد في نفس الإنسان كما ظن البعض، وإنما تغيير الأخلاق هو قهر الطبائع السيئة الفاسدة وإسلاسها وحسن قيادها، وفي ذلك يقول:‏
وقد ظنت طائفة "أن المقصود من المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلية ومحوها، وهيهات؛ فإن الشهوة خلقت لفائدة وهي ضرورية في الجبلة، فلو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان، ولو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النسل، ولو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه ولهلك، ومهما بقي من أصل الشهوة فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصل إلى الشهوة حتى يحمله ذلك على إمساك المال، وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية، بل المطلوب ردها إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط، والمطلوب في صفة الغضب حسن الحمية وذلك بأن يخلو عن التهور وعن الجبن جميعاً، وبالجملة أن يكون في نفسه قوياً ومع قوته منقاداً للعقل"(33).‏
5-الطريق إلى تهذيب الأخلاق:‏
يبين (الغزالي) طريق تهذيب الأخلاق ببراعة البصير الخبير بأدوار النفس وأساليب معالجتها وتقويمها، وبكيفية التعامل مع الانحرافات الأخلاقية، كل حسب ما يعاني، مفصلاً في طرائق تهذيب كل اعتدال أخلاقي، مبيناً علاجه الخاص، مستدلاً ومستشهداً بالأساليب الطبية في معالجة الأدواء الجسمية بما يدل على حسن درايته بالطب وأساليبه.‏
أبان (الغزالي) أن الاعتدال في الأخلاق هو صحة النفس، والميل عن الاعتدال سقم ومرض فيها، وكما أن الاعتدال في مزاج البدن هو صحة له، والميل عن الاعتدال مرض فيه ولذلك اتخذ البدن مثالاً للنفس وراح يبين طرائق تهذيب الأخلاق.‏
إن علاج النفس يكون بمحو الرذائل والأخلاق الرديئة عنها، وجلب الفضائل والأخلاق الجميلة إليها، مثال البدن في علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحة وجلبها إليه، وكما أن الغالب على أصل المزاج الاعتدال وإنما تعتري المعدة المضرة بعوارض الأغذية والأهوية والأحوال. فكذلك المولود يولد معتدلاً صحيح الفطرة –أي بالاعتياد والتعليم تكتسب الرذائل- وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملاً وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم، وكما أن البدن إن كان صحيحاً فشأن الطبيب تمهيد القانون الحافظ للصحة. وإن كان مريضاً فشأنه جلب الصحة إليه، فكذلك النفس منك إن كانت زكية طاهرة مهذبة فينبغي أن تسعى لحفظها وجلب مزيد قوة إليها، واكتساب زيادة صفائها، وإن كانت عديمة الكمال والصفاء فينبغي أن تسعى لجلب ذلك إليها.‏
وكما أن العلة المغيرة لاعتدال البدن موجبة للمرض لا تعالج إلا بضدها، فإن كانت من حرارة فالبرودة، وإن كانت من برودة فبالحرارة، فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب فإن علاجها بضدها، فيعالج مرض الجهل بالتعلم، ومرض البخل بالتسخي، ومرض الكبر بالتواضع، ومرض الشره بالكف عن المشتهى تكلفاً.‏
وكما أنه لابد من تحمل مرارة الدواء وشدة الصبر عن المشتهيات لعلاج الأبدان المريضة فكذلك لابد من تحمل مرارة المجاهدة والصبر لمداواة مرض القلب، بل أولى، فإن مرض البدن يخلص منه بالموت ومرض القلب يدوم بعد الموت أبد الآباد.‏
وكما أن كل مبرد لا يصح لعلة سببها الحرارة إلا إذا كان على حد مخصوص –ويختلف ذلك بالشدة والضعف والدوام وعدمه بالكثرة والقلة، ولابد من معيار يعرف به مقدار النافع منه، فإنه إن لم يحفظ معياره زاد الفساد- فكذلك النقائص التي تعالج بها الأخلاق لابد لها من معيار، وكما أن معيار الدواء مأخوذ من عيار العلة حتى إن الطبيب لا يعالج ما لم يعرف أن العلة من حرارة أو برودة، فإن كانت حرارة فيعرف درجتها أهي ضعيفة أم قوية؟ فإذا عرف ذلك التفت إلى أحوال البدن وأحوال الزمان وصناعة المريض وسنه وسائر أحواله ثم يعالج بحسبها.‏
وكذلك الأمر عينه أمر الشيخ المتبوع الذي يطيب نفوس المريدين ويعالج قلوب المسترشدين، ينبغي ألا يهجم عليهم بالرياضة والتكاليف في فن مخصوص وفي طريق مخصوص ما لم يعرف أخلاقهم وأمراضهم، وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم فكذلك الشيخ لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم وأمات قلوبهم، بل ينبغي أن ينظر إلى مرض المريد وفي حاله وسنه ومزاجه وما تتحمله بنيته من الرياضة ويبني على ذلك رياضته.‏
والحق أن هذا، كما يقول الإمام (الغزالي) طريق جملي (كلي) في تهذيب الأخلاق، والكلام في تفصيله يطول، والغرض أن ننظر إلى تزكية نفوسنا في أخلاقنا، فإن كانت مهذبة وجب علينا حفظها، وإن كانت مائلة وجب تقويمها بالرد إلى حد الاعتدال، والمقصود من جلب الاعتدال سلب الطرفين، إذ الغرض تطهير النفس عن الصفات التي تلحقها بعوارض البدن، حتى لا تلتفت إليها بعد المفارقة، عاشقة ومتأسفة على قوتها.‏
ولذلك فقد عرض لنماذج جد كثيرة من الرذائل وبين كيفية علاج كل منها، ليعود إلى التأكيد بأنه ليس يعرض إلى ذكر دواء كل مرض، وإنما غايته التنبيه على أن الطريق الكلي إنما هو سلوك مسلك المعتاد لكل ما تهواه النفس وتميل إليه، وحتى لا يكون الأمر عشوائياً من غير ضابط بحيث ننتقل من داء إلى داء آخر، ومن مرض إلى مرض آخر، فقد أصر كثيراً على مسألة وضرورة مراقبة النفس دائماً في سلوكها وتصرفاتها(34).‏
6-معرفة عيوب الذات:‏
ومما يلحق بتهذيب الأخلاق وإصلاحها، ويتصل بهما اتصالاً وثيقاً، معرفة عيوب الذات، كما يقف المرء على وجوه معايبه ويحسن الإفادة منها في تغيير أخلاقه وتهذيبها، ويرى الإمام (الغزالي) أن المفكر نافذ البصيرة، الذي يحسن استخدام عقله وتوظيفه لم تخف عليه عيوبه، وبحسن تعقله وتفكيره يعالج ما يعرف من عيوبه لأن علاجها يقود إلى كمال النفس ونزاهتها، ولكن المشكلة تكمن في أن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم ولذلك تجد أحدهم يرى القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه، ولما كانت الحالة كذلك لم يجد (الغزالي) بداً من وضع مقياس يستند إليه المرء الذي يتوخى معرفة عيوب نفسه، وينقسم هذا المقياس إلى طرق أربعة(35):‏
الأول: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، مطلع على خفايا الآفات، ويحكمه في نفسه، ويتبع إشارته في مجاهدته، وهذا شأن المريد مع شيخه، والتلميذ مع أستاذه، فيعرفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه ويعرفه طريق علاجه، ولكن الإمام (الغزالي) يرى أن مثل هذا عزَّ وجوده وندر في زمانه، ولذلك قدم طريقاً آخر.‏
الثاني: أن يطلب صديقاً صدوقاً متديناً فينصبه رقيباً على نفسه ليلاحظ أقواله وأفعاله، فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبهه عليه، فهكذا كان يفعل الأكياس والأكابر من أئمة الدين، ويستشهد لذلك ببعض الأقوال منها قول (عمر بن الخطاب –حوالي 38 ق.هـ/ 586م- 23هـ/644م) "رحم الله امرأ أهدى إليَّ عيوبي". ولما ندر أيضاً وجود الصديق الصادق في وده وحبه، ولما كان الصديق ينظر بعين الرضا فلا يرى إلا محاسن، لم يكن هناك بد من تقديم طريق ثالث.‏
الثالث: أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه فإن عين السخط تبدي المساويا، ولعل انتفاع الإنسان بعدو مشاحن يذكره عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثني عليه ويمدحه ويخفي عيوبه. ويجب على الإنسان أن ينتبه إلى أن الطبع مجبول على تكذيب العدو وحمل ما يقوله على الحسد، ولذلك ينبغي عليه أن يكون بصيراً حاذقاً، يعرف كيف ينتفع بقول أعدائه، فإن مساويه لابد أن تنتشر على ألسنتهم.‏
الرابع: أن يخالط الناس، فكل ما رآه مذموماً فيما بين الخلق فليطالب نفسه به وينسبها إليه، فإن المؤمن مرآة المؤمن، فيرى من عيوب غيره عيوب نفسه، ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى، فما يتصف به واحد من الأقران لا ينفك القرن الآخر عن أ صله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه، فليتفقد نفسه وليظهرها من كل ما يذمه من غيره، وناهيك بهذا تأديباً. فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب ويستشهد لذلك بجواب (عيسى) عليه السلام عندما سئل عمن أدبه فقال: "ما أدبني أحد، رأيت جهل الجاهل شيناً فاجتنبته".‏
ثالثاً: التربية الأخلاقية:‏
إن إيمان (الغزالي) بإمكان تغيير الأخلاق وإصلاحها يقودنا إلى فكرة جديدة هي التربية أو التنشئة الأخلاقية، وقد رسم لنا الفيلسوف منهجاً تربوياً واضحاً لتربية الإنسان أخلاقياً، ولم يقتصر في رسم هذا المنهج على المراحل المبكرة من حياة الإنسان وحدها. وإنما تعداها إلى كل مراحل حياته، وما سبق وتحدثنا عنه من تغيير الأخلاق وإصلاحها وتهذيبها يمكن أن نعدّه تربية أخلاقية للإنسان اليافع والراشد، الذي بإمكانه أن يسلك أكثر من سبيل لمعرفة العيوب وتقويمها، وليس هذا فحسب بل إنه وضع لكل فضيلة أخلاقية طرقها الخاصة التي تساعد على تنميتها وتعزيزها، كما بين كيفية التخلص من الرذائل كل على حدة، وهذا ما سنعرض له عند الحديث عن القيم الأخلاقية. أما الآن فسنتناول التنشئة الأخلاقية عند الأطفال بشكل عام، ذلك أن هذه التربية أو التنشئة هي الأساس في تكوين رجل المستقبل وترسيخ القيم الأخلاقية في نفسه كما أشرنا قبل قليل.‏
إن تتبع الخطوات التي أثارها الإمام (الغزالي) لتحديد منهجه في التربية الأخلاقية وضبطه يُنبنا عن مبلغ عنايته واهتمامه بالجانب الأخلاقي ودرايته بفعاليته في حياة الإنسان، كما يكشف بوضوح عن أصالة (الغزالي) في هذا الجانب والمتمثلة خصوصاً بالربط بين التصوف والفعالية الأخلاقية، أو توجيه الأخلاق لتنحو منحى صوفياً، متشحة بوشاح روحي يضفي عليها طابعاً جديداً بحيث تغدو الممارسة الأخلاقية جزءاً صميمياً من الحياة الروحية للإنسان.‏
يتكون هذا المنهج التربوي من مجموعة من الدعائم والخطوات يمكننا القول إنها تبدأ بالواجبات الأخلاقية التي ينبغي الالتزام بها أوامرَ ونواهي، وبالتالي هي ما ينبغي أن تتوجه التنشئة الأخلاقية إلى تكريسه في حياة الطفل. ثم العوامل الضرورية والمساعدة بالعملية التربوية بصورتها المثلى، ثم خطوات العمل التربوي والأسس التي ينبغي توفرها في المربي على نحو خاص، وهي على النحو التالي:‏
1-الواجبات الأخلاقية:‏
ينبغي في أن يراعى في تربية الأطفال توجيههم إلى تقمص القيم الأخلاقية الإيجابية، أو الفضائل، وإلى النفور من القيم الأخلاقية السلبية، أو الرذائل على اختلاف أنواعها وتباين تسمياتها، فيحذر من الجشع والطمع والكبر والكذب والنفاق واللعن والسب والسرقة والفحش والخيانة... وما جرى في مجرى هذه الرذائل. ويحبب إليه الصدق والأمانة والإخلاص والتواضع والوفاء والتأدب في معاملة الآخرين... وهلمَّ جراً من هذه الفضائل "فإذا كان النشوء صالحاً كان هذا الكلام عند البلوغ واقعاً مؤثراً ناجعاً يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر. وإن وقع النشوء بخلاف ذلك حتى آلف الصبي اللعب والفحش والوقاحة وشره الطعام واللباس.... نبا قلبه عن قبول الحق نبوة الحائط عن التراب اليابس"(36).‏
2-نقاء النفس:‏
يرى الإمام (الغزالي) أن النفس البشرية صفحة نقية بيضاء تقبل كل نقش وصورة تعرض عليها. وها هوذا يصف القلب الطاهر للطفل بأنه "جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال إليه –أي أن الإنسان يخلق قابلاً للخير والشر- فإن عوّد الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وإن عوّد الشر وأُهمل شقي وهلك"(37) الأمر الذي يعطي للتربية أهم دور في تكوين الإنسان وبناء شخصيته وتحديد معالمها وأبعادها، وكثيراً ما ألحف (الغزالي) على ضرورة العناية بالأطفال وحسن توجيههم لما أدركه من أهمية التربية ودورها الحاسم في بناء شخصية الطفل.‏
والحق أن هذه الفكرة ذاتها –فكرة نقاء النفس- هي الفكرة المحورية التي بنت عليها المدرسة التجريبية الإنكليزية بنيانها الفلسفي، (38)وبهذا المعنى ذاته يقول (جون لوك –1632-1704): "إن النفس في الأصل كلوح مصقول لم ينقش فيه شيء، وإن التجربة هي التي تنقش فيها المعاني والمبادئ جميعاً"(39) ويبدو التشابه بينهما واضحاً جلياً.‏
ولكن الإمام (الغزالي) يرى من جهة ثانية أن الإنسان مفطور على الميل إلى القيم الأخلاقية الإيجابية، وإلى الخير عموماً، ميلاً غريزياً، وليس من تناقض البتة هنا كما يلوح به ظاهر القول "فإذا كانت النفس بالعادة تستلذ الباطل وتميل إليه وإلى المقابح فكيف لا تستلذ الحق لو ردت إليه مدة والتزمت المواظبة عليه؟ بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن الطبع. يضاهي الميل إلى أكل الطين فقد يغلب على بعض الناس ذلك بالعادة، فأما ميله إلى الحكمة وحب الله تعالى ومعرفته وعبادته فهو كالميل إلى الطعام والشراب"(40).‏
وثمة تشابه أيضاً هنا بين (الغزالي) و (لوك) فرغم أن الأخير حاول أن يبرهن "على وجود الله وعلى ماهيته في آن واحد دون حاجة إلى معنى غريزي. –إلا أنه- قرر أن عقلنا يجهل الكنه ولا يدرك سوى الظاهر. فهو يعود إلى فطرة العقل برغمه ودون أن يشعر"(41).‏
ويبدو من خلال هذا النص أن (الغزالي) ظل مخلصاً لما ذهب إليه من نقاء النفس، تأكيداً منه على الحرية والاختيار، ولذلك نجد من يستلذ بالباطل كما نجد من يستلذ بالحق، وإنما هذا الميل الفطري إلى الحق بمثابة برهان على وجود الخالق الذي خلق مع الإنسان ما يقوده إليه.‏
ومن ذلك نرى أن التربية بقدر ما هي مهمة وضرورية، ومعقدة أيضاً، فإنها سهلة يسيرة إن كانت تسير في الطريق الصحيح لأن المربي لن يجد صعوبة بالغة في إيصال الصواب إلى النفس لأنها تميل إليه بطبيعتها.‏
3-ضرورة المعلم:‏
ولابد للطفل من معلم مرب يحسن زرع الفضائل في نفسه ونزع الرذائل منها، وفي هذا يقول: "اعلم أنه ينبغي للسائل شيخ مرشد مرب ليخرج الأخلاق السيئة منه بتربيته، ويجعل مكانها خلقاً حسناً، ومعنى التربية يشبه عمل الفلاح الذي يقلع الشوك ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته ويكمل ريعه"(42).‏
إن إلحاف الإمام (الغزالي) على ضرورة المعلم المربي مع عدم تبيانه إن كان بإمكان الأب القيام بهذا الدور يعني أنه يميل إلى عدم كفاية الأسرة كفاية مطلقة في تربية الطفل ذلك أنه ليس من الضرورة أن يكون كل الآباء والأمهات على درجة من الوعي والمعرفة تؤهلهم للقيام بدورهم التربوي على أكمل وجه، ولذلك لابد من المعلم المختص الذي يعرف كيف يكتشف الأدواء ويحسن علاجها.‏
4-توظيف العلم:‏
يرى الإمام (الغزالي) أن العلم ليس يطلب لذاته، وإنما له وظيفة ودور في حياة الإنسان، وهو تحسين وتجويد العمل، وإفادة الإنسان في مختلف مراحل وظروف حياته، ولذلك يشبه لنا حافظ العلم بالمدجج بالأسلحة، فإن استخدم هذه الأسلحة عند كل حاجة لها فقد أفاد من حملها ولم يكن حملها عبئاً لا عمل له إلا إثقال كاهله، وإن اكتفى بحمل الأسلحة، وتعرض للخطر دون استخدامها فقد هلك، ولم يغنه عن الهلاك ما تدجج به من أسلحة، وهذا حال حامل العلم الذي لا يسخره للإفادة منه، وبذلك يغدو كأنه خلو من العلم لأن العلم لا يقوم من ذاته بدفع الشر عن صاحبه كما أن الأسلحة لا تدفع الخطر عن حاملها من تلقاء ذاتها(43) ولذلك قال: "العلم بلا عمل جنون، والعمل بغير علم لا يكون"(44).‏
5-دور القصص:‏
ويرى (الغزالي) أيضاً أن للقصص دوراً هاماً في غرس الفضائل في قلوب الأطفال وفي دفعهم إلى التخلق بالأخلاق الحسنة، اللهم إن كانت هذه القصص موجهة إلى هذه الغاية، وإلا فإنها ستغرس بذور الفساد في نفوس الأطفال، ولذلك على الطفل أن "يتعلم القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين"(45) ويقتدي بهم ويتخلق بأخلاقهم، كما عليه أن يبتعد عن أخبار الفسق والمجون، أو لنقل ما يثير الانفعالات الشهوية والهيجانات العاطفية" كالأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله... التي يعدها أصحابها من الظرف ورقة الطبع"(46).‏
وقد أشبه (الغزالي) في ذلك الفيلسوف اليوناني (أفلاطون –427-347ق.م) الذي طرد الشعراء من جمهوريته إذ يقول: "وإذا حل بدولتنا إنسان بارع في الظهور بكل الصور ومحاكاة كل شيء، وأراد عرض قصائده على الجمهور فإننا سنكرمه تكريم قديس بارع، ولكننا سنخبره أن ليس لمثله مكان في دولتنا، وسنقصيه إلى دولة أخرى بعد أن نسكب العطر على رأسه"(47) هذا رغم إيمانه (كالغزالي) بأهمية القصص في تهذيب نفوس الأطفال، الأمر الذي حدا به إلى القول: "ثم نوعز إلى الأمهات والمرضعات أن يقصصن ما اخترناه من تلك الخرافات (القصص) على الأطفال. وأن يكيفن بها عقولهم أكثر مما يكيفن أجسادهم بأيديهن"(48).‏
6-القدوة الحسنة:‏
وينبغي على المربي أن يكون القدوة الحسنة لمن يقوم على تربيتهم، ولعل أفضل معيار للوقوف على ذلك هو موافقة القول العمل، فمن وافقت أفعاله أقواله كان منسجماً مع نفسه ولاقت تعاليمه خير قبول لدى تلاميذه، ولذلك من واجب "معلم –الصبيان أن- يبدأ بصلاح نفسه، فإن أعينهم إليه ناظرة وآذانهم إليه مصغية، فما استحسنه فهو عندهم الحسن، وما استقبحه فهو عندهم القبيح"(49).‏
7-الحفظ من قرناء السوء:‏
ولأن رفاق السوء في الأغلب الأعم يفسدون من يرافقهم، ولاسيما في سني الطفولة، ولأن الصبي إن أهمل في ابتداء نشوئه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذاباً حسوداً سروقاً نماماً لحوحاً..."(50) فقد أصر (الغزالي) على حفظ الصبيان من رفاق وقرناء السوء، وفي ذلك يقول: "ويمنع –الصبي- من لغو الكلام وفحشه، ومن اللعب والسب، ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك، فإن ذلك يسري لا محالة من القرناء السوء"(51).‏
8-ضرورة المراقبة:‏
وكيما تثمر التنشئة الأخلاقية هذه ينبغي ألا ينقطع المعلم أو الولي عن مراقبة الصبي ومتابعة سلوكه وأفعاله حتى مع استمراره في سلوك الطريق الصحيح وممارسة الفعل الأخلاقي السليم "ومهما رأى فيه مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته، وأول ذلك ظهور أوائل الحياء، فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال، فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه، حتى يرى بعض الأشياء قبيحاً ومخالفاً للبعض فصار يستحي من شيء دون شيء، وهذه هدية من الله تعالى وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب، وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ، فالصبي المستحي لا ينبغي أن يهمل بل يستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه"(52).‏
وهذا يعني أن الطفل مع صفاء نفسه ونقاء قريحته يظل عرضة للتغير والتقلب في أخلاقه تبعاً للمحيط الذي يعيش فيه، حتى ترسخ القيم الأخلاقية في نفسه، وتصبح جزءاً من جبلته، وهذا ما لا يتأتى إلا باستمرار الاتصال مع هذه الفضائل أو القيم الأخلاقية الإيجابية.‏
9-التدعيم:‏
وينبغي أن نحبب إلى الأطفال ممارسة الأفعال الأخلاقية الحسنة وأن نرغبهم في ذلك بمكافأتهم على كل مبادرة حسنة، وأن نعرف متى نتغاضى عن الخطأ. ولاسيما إن كان غير مقصود أو إن أدرك الطفل خطأه فراح يداريه، وفي هذا يقول: "ثم مهما ظهر من الصبي من خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه ويجازي عليه بما يفرح به، ويمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه، ولا يهتك ستره، ولا يكاشف، ولا يظهر له أن يتصور أن يتجاسر أحد على مثله، ولاسيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه، فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة"(53).‏
ولقد استفاد علماء النفس والتربية من ظاهرة التعزيز هذه، أو التدعيم، في تفسير بعض الظواهر النفسية، ولاسيما التعلم، ومن هؤلاء العلماء (بافلوف –ت 1933) و (ثورنديك –1874-1949) و (كلارك هل –1884-1952) والتي ترى في مجملها أن التعلم على عمومه مرتبط بالتدعيم بنوعيه الأولي والثانوي: "والذي يفسر أغلب حالات التعلم عند الإنسان هو التدعيم الثانوي الذي يتلخص في خفض التوتر الناشئ عن دوافع ثانوية كالحاجة إلى التقدير والتشجيع بالألفاظ والمكافآت..."(54).‏
10-التقويم:‏
ولكن ماذا لو انزلق الصبي في الخطأ عن جادة الصواب، وتكرر غلطه المرة بعد الأخرى؟! يقدم الإمام (الغزالي) لتلافي الغلط والانحراف وعلاجهما منهجاً رائعاً تتجه الأساليب التربوية الحديثة إلى الأخذ به واعتباره الأنسب في معالجة أخطاء الأطفال، ولهذا المنهج مراحل ثلاث تتناسب مع التمادي في الغلط بحيث لا نعالج الأخطاء كلها بأسلوب واحد، وهذه المراحل هي:‏
أ-المعاتبة:
هي أولى المراحل التي نقوّم بها أغلاط الأطفال عند بدء تكراره الوقوع في ممارسة أخلاقية فاسدة معينة، وفي ذلك يقول: "فإن عاد ثانياً فينبغي أن يعاتب سراً، ويعظم الأمر فيه ويقال له: إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا، وأن يطلع عليك مثل هذا فتفضح بين الناس"(55).‏
ب-التوبيخ والزجر:
ولأن كثرة المعاتبة تهون عليه سماع الملامة فينبغي ألا يكثر القول عليه بالعتاب حتى لا يهون عليه ركوب القبائح ويسقط وقع الكلام من قلبه، فإذا تمادى في ذلك فعلى المربي أن يكون حذراً في التعامل معه "وليكن حافظاً هيبته عند الكلام معه فلا يوبخه إلا أحياناً، والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح"(56).‏
ج-اجتناب الضرب:
وليسعَ المربي إلى اجتناب الضرب قدر المستطاع، فإن لم يكن من ذلك فليجعل "معظم تأديبه بالرهبة، ولا يكثر من الضرب والتعذيب"(57) والحق أن هاتين الخطوتين من المنهج التربوي –التدعيم والتقويم- مأثرة جليلة تضافان إلى مآثر (الغزالي) الكثيرة، بل إن منهجه التربوي بكليته له ولا يمكن أن تجحد حقها وجليل قيمتها.‏
11-ضرورة الترفيه:‏
ومما ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار أن النفس بحاجة إلى بعض الراحة والترفيه بين الحين والحين، وإلا فإن استمرارية الجد ومواصلة الكد والجهد في التلقين والتعليم ستؤدي إلى النفور والهروب من ذلك، وربما تورث عللاً أخرى ولذلك يقول (الغزالي): "وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكُتّاب (المدرسة) أن يلعب لعباً جميلاً يستريح إليه من تعب المكتب (المدرسة) بحيث لا يتعب في اللعب، فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه إلى التعلم دائماً يميت قلبه ويبطل ذكاءه وينغص عليه العيش حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأساً"(58).‏
12-تكوين الخلق وترسيخه:‏
وأخيراً بقي علينا أن نبين كيف يتكون الخلق عند الإنسان، وكيف يترسخ في نفسه وإن كنا قد ألمحنا إلى ذلك في حديثنا عن تهذيب الأخلاق، إلا أنه من الضرورة بمكان أن نعرض الآن للمنهج الذي رسمه (الغزالي) من اكتساب الخلق وترسيخه في نفس الإنسان حتى يصبح طبعاً، وفي ذلك يقول:‏
"إن الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة، وهي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء لتصير طبعاً انتهاء، وهذا عجيب العلاقة بين القلب والجوارح –أعني النفس والبدن- فإن كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة، وكل فعل يجري على الجوارح فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب والأمر فيه دور، ويعرض ذلك بمثال: وهو من أراد أن يصير الحذق في الكتابة له صفة نفسية –حتى يصير كاتباً بالطبع- فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق ويواظب عليه مدة طويلة يحاكي الخط الحسن، فإن فعل الكاتب هو الخط الحسن فيتشبه بالكاتب تكلفاً، ثم لا يزال يواظب عليه حتى يصير صفة راسخة في نفسه، فيصدر عنه في الآخر الخط الحسن طبعاً كما يصدر منه الابتداء تكلفاً، فكان الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسناً، ولكن الأول بتكلف إلا أنه ارتفع منه أثر إلى القلب ثم انخفض من القلب إلى الجارحة فصار يكتب الخط الحسن بالطبع"(59).‏
رابعاً: غاية الأخلاق:‏
غاية الأخلاق هي الثمرة أو النتيجة التي يتوخى الفاعل الأخلاقي من وراء فعله إلى تحقيق إما الخير أو السعادة، بل تحقيق الخير والسعادة بآن معاً، ولكنه يميز على هذا الصعيد بين ضربين من الخيرات والسعادات، فثمة خير دنيوي وخير آخروي، وكذلك أمر السعادة فهناك سعادة دنيوية وسعادة أخروية، فأيهما غاية الأخلاق؟‏
لأن خيرات الدنيا وسعاداتها عرضية زائلة تؤول إلى الفناء والانتهاء مع موت صاحبها، ولأن "السعادة الآخروية التي... هي بقاء بلا فناء، ولذة بلا عناء، وسرور بلا حزن، وغنى بلا فقر، وكمال بلا نقصان. وعز بلا ذل، وبالجملة كل ما يتصور أن يكون مطلوب ومرغوب راغب، وذلك أبد الآباد، على وجه لا تنقصه تصرم الأحقاب والآماد")(60) فقد ذهب الإمام (الغزالي) إلى التأكيد بأن "السعادة الحقيقية هي الآخروية، وما عداها سميت سعادة إما مجازاً أو غلطاً، كالسعادة الدنيوية التي لا تعيق على الآخرة، وأما صدقاً، ولكن الاسم على الآخروية أصدق، وذلك كل ما يوصل إلى السعادة الآخروية ويعين عليه، فإن الموصل إلى الخير والسعادة، قد يسمى خيراً وسعادة"(61).‏
صحيح أن خير الآخرة وسعادتها هما غاية الأخلاق، ولكنهما الغاية القصوى لها، إذ للأخلاق غاية دينوية هي أيضاً الخير والسعادة في هذه الدنيا التي نعيشها، وهذا واضح جلي في سابق كلامه، وليس هذا فحسب، بل لقد أفرد فصلاً خاصاً ليبين أيضاً أن خير الدنيا غاية أخلاقية، جاعلاً عنوان هذا الفصل: "بيان البواعث على تحري الخيرات والصوارف عنها "وفيه يبين أن البواعث على طلب الخيرات ثلاثة: نفسية (الترغيب والترهيب) واجتماعية (المكانة بين الناس) وعقلية (طلب الفضيلة وكمال النفس) وهذه الأخيرة يمكن أن نسميها "فعل الخير لأنه خير" أو "الإقدام على فعل الخير لذاته" فيقول: "أما الخيرات الدنيوية فالبواعث عليها ثلاثة أنواع: الترغيب والترهيب بما يجري ويخشى في الحال والمآل. والثاني رجاء المحمدة وخوف المذمة ممن يعتد بحمده وذمه، والثالث طلب الفضيلة وكمال النفس، لأنه كمال وفضيلة، لا لغاية أخرى وراءها"(62).‏
ولا فرق في ذلك بين خيري الدنيا والآخرة، فهما في البواعث سواء، وفي هذا يقول: "والخيرات الآخروية أيضاً هذا شأنها، وبهذا الطريق تتفاوت الناس فيها، إذ لا فرق بين الآخروية والدنيوية إلا بتأخر وتقدم. وإلا فالخير مطلوب كل عاقل عاجلاً أو آجلاً"(63) ومن ذلك نرى بأن الإمام (الغزالي) يعتبر خيري الدنيا والآخرة بآن واحد غاية للأخلاق، فخير الآخرة لأنه مطلق ما بعده خير، وخير الدنيا لما فيه من بواعث نفسية واجتماعية وعقلية. وهذا يعني تسلسل القيم صعداً من خير الدنيا إلى خير الآخرة.‏
وكذلك الأمر في السعادة، فسعادة الآخرة هي الغاية القصوى للفعل الأخلاقي، وسعادة الدنيا غاية أخلاقية أيضاً لأن ما يوصل إلى الخير والسعادة خير وسعادة، "ولأن سعادة الآخرة لا تنال إلا بأنواع السعادات الأخرى" وهذا ما أبان عنه عند حديثه عن أنواع السعادة قائلاً: "فجملتها منحصرة في خمسة أنواع: الأول السعادة الآخروية، التي هي بقاء لا فناء له، وسرور لا غم فيه، وعلم لا جهل معه، وغنى لا فقر معه يخالطه، ولن يتوصل إليه إلا بالله، ولا يكمل إلا بالنوع الثاني؛ وهو الفضائل النفسية –وهي أربعة: العقل والعفة والشجاعة والعدالة- وإنما تتكامل هذه الفضائل بالنوع الثالث، وهي الفضائل البدنية المنحصرة في أربعة أمور: هي الصحة والقوة والجمال وطول العمر، ويتمّمها النوع الرابع، وهي الفضائل المطيفة بالإنسان، المنحصرة في أربعة أمور. وهي المال والأهل والعز وكرم العشيرة، ولا يتم الانتفاع بشيء من ذلك إلا بالنوع الخامس. وهي الفضائل التوفيقية، وهي أربعة: هداية الله ورشده وتسديده وتأييده، فهذه السعادات بعد السعادة الآخروية"(64).‏
*الهوامش:‏
(1)عزت السيد أحمد –الشك المنهجي- من الإمام الغزالي ديكارت- ضمن مجلة التراث العربي- اتحاد الكتاب العرب- دمشق- العدد 44- 1991- ص126.‏
(2)د.عادل العوا –المذاهب الفلسفية –مطبعة ابن حيان- دمشق- 1986- ص187.‏
(3)الغزالي: نسبة إلى صناعة الغزل... وقيل نسبة إلى غزالة من قرى طوس.‏
(4)الطوسي: نسبة إلى مدينة طوس، وهي مدينة من مدن خراسان –نيسابور... فيها قبر (الرشيد) بظاهر مدينة نوقان بقرية يقال لها "ملياناد".‏
(5)أبو حامد الغزالي –المنقذ من الضلال- المكتبة الشعبية- بيروت د.ت –ص59
(6)أبو حامد الغزالي –تهافت الفلاسفة- تحقيق سليمان دنيا- دار المعارف- مصر- الشاهد من مقدمة المحقق ص23-24.‏
وكذلك: عزت السيد أحمد –م.س- ص134.‏
(7)للاستزادة حول مؤلفات الغزالي يمكن مراجعة كتاب "مؤلفات الغزالي" للدكتور عبد الرحمن بدوي، وهو كتاب ضخم وهام يبين فيه المؤلف كتب الغزالي الموثوقة والمنسوبة والمشكوك في نسبتها...‏
(8)أبو حامد الغزالي –إحياء علوم الدين- دار المعرفة للطباعة والنشر- بيروت- ج3- ص53.‏
(9)م.س –ذاته.‏
(10)م.س- ذاته.‏
(11)أبو حامد الغزالي –ميزان العمل- دار الحكمة- دمشق/ بيروت- 1986- ص8
(12)ميزان العمل –م.س- ص11.‏
(13)إحياء علوم الدين –م.س- ص52-53.‏
(14)م.س- ص53.‏
(15)إحياء علوم الدين- م.س- ص54 وكذلك ميزان العمل –م.س- ص54 وكذلك ميزان العمل –م.س- ص46.‏
(16)إحياء علوم الدين –م.س-ص54.‏
(17)ميزان العمل –م.س- ص46.‏
(18)إحياء علوم الدين –م.س- ذاته.‏
(19)ميزان العمل –م.س- ذاته.‏
(20)هذه الآيات والأحاديث كثيرة يمكن الرجوع إليها في كتاب إحياء علوم الدين، الجزء الثالث، الفصل الخامس "علامات حسن الخلق" ص69 وما بعدها.‏
(21)إحياء علوم الدين –م.س-ص70.‏
(22)م.س –ص71.‏
(23)م.س –ص69.‏
(24)م.س –ص63.‏
(25)م.س –ص63-64.‏
(26)ميزان العمل –م.س- ص54، وما بعدها وإحياء علوم الدين- م.س- ص55 وما بعدها.‏
(27)م.س –ذاته.‏
(28)ميزان العمل –م.س- ص55 وكذلك: إحياء علوم الدين- م.س- ص56
(29)م.س –ذاته.‏
(30)ميزان العمل –م.س- ص55-56 وكذلك: إحياء علوم الدين –م.س- ذاته.‏
(31)ميزان العمل –م.س- ص56-57.‏
(32)م.س –ص57.‏
(33)إحياء علوم الدين –م.س-ص56-57.‏
(34)انظر ذلك مفصلاً في ميزان العمل- م.س- ص61-62-63-64.‏
وكذلك في: إحياء علوم الدين –م.س-ص60-61-62.‏
(35)انظر ذلك مفصلاً في: إحياء علوم الدين –م.س- ص: 64-65.‏
(36)م.س –ص73-74.‏
(37)م.س –ص72-74.‏
(38)المدرسة التجريبية الإنكليزية، وتسمى أيضاً المدرسة الحسية وكذلك المدرسة الاختبارية، ومن ألمع أعلامها (توماس هوبس –1588-1679) و (جون لوك- 1632-1704) و (جورج باركلي –1685-1753)؛ و (ديفيد هيوم –1711-1776).‏
(39)يوسف كرم –تاريخ الفلسفة الحديثة- دار القلم- بيروت- د.ت- ص145.‏
(40)م.س –ص149.‏
(41)إحياء علوم الدين –م.س-ص59.‏
(42)أبو حامد الغزالي –أيها الولد- مكتبة الغزالي- دمشق- د.ت- ص35-36.‏
(43)م.س –ص11.‏
(44)م.س –ص19.‏
(45)إحياء علوم الدين –ج3-م.س-ص73.‏
(46)م.س –ذاته.‏
(47)أفلاطون –الجمهورية- ترجمة حنا خباز- دار القلم- بيروت- ط2- 1980-ص90
(48)م.س –ك3- ص66.‏
(49)أبو حامد الغزالي- الأدب في الدين- رسالة منشورة مع كتاب "المنقذ من الضلال" م.س- ص154.‏
(50)إحياء علوم الدين –ج3–م.س-ص72.‏
(51)م.س –ص73.‏
(52)م.س –ص772.‏
(53)م.س –ص73.‏
(54)انظر ذلك مفصلاً في الفصل المعقود لنظريات المتعلم وتطبيقاته ضمن كتاب الدكتور أحمد عزت راجح –أصول علوم النفس- المكتب المصري الحديث- الإسكندرية- 1972م.‏
(55)إحياء علوم الدين –ج3–م.س-ص73.‏
(56)م.س –ذاته.‏
(57)الأدب في الدين- م.س- ص154.‏
(58)إحياء علوم الدين –م.س- ذاته.‏
(59)م.س –ص59.‏
(60)ميزان العمل –م.س- ص11-12.‏
(61)م.س –ص87.‏
(62)م.س –ص77.‏
(63)م.س –ص78.‏
(64)م.س –ص81-82.‏

المصدر: مجلة التراث العربي
مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 52 - السنة 13 - تموز "يوليو" 1993 - صفر 1414

ابو جوادلبنان
بارك الله بكم

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة

       


المولد النبوي في البيئة العمانية وثقافتها


شرعية الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف


التصوف ومنزلته من الفكر الإسلامي


البحث عن الوارث المحمدي




المولد النبوي في البيئة العمانية وثقافتها
شرعية الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف
طبقات الواجدين
التصوف ومنزلته من الفكر الإسلامي