لقد وردت محبة رسول اللهفى القرآن العظيم والسنة فقال لنبيه أمرا له أن يقول:قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة:24) فكفى بهذا حضا وتنبيها ودلالة وحجة على إلزام محبته ووجوب فرضها. وأما الأخبار: فعن أنس قال: قال رسول الله:(لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه والده وولده والناس أجمعين)، وفى رواية :(لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين)، وفى رواية:(لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه). وعن على قال:قال رسول الله:(أدبوا أولادكم على ثلاث خصال، حب نبيكم وحب أهل بيته وقراءة القرآن، فإن حملة القرآن فى ظل الله يوم لا ظل من أنبيائه وأصفيائه). وعن أبى ذرأن النبىقال:(أشد أمتى لى حبا قوم يكونون بعدى يود أحدكم أنه فقد أهله وماله أنه رآنى). وعن أبى هريرةقال: قال رسول الله:(من أشد لى حبا ناس يكونون بعدى يود أحدهم لو رآنى بأهله وماله). أما أقوال المشايخ فى المحبة فقد قال سفيان: المحبة اتباع الرسولكأنه التفت إلى قوله:قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله (آل عمران:31)وقال بعضهم: المحبة دوام الذكر للمحبوب، وقال آخر:إيثار المحبوب، وقال بعضهم:المحبة الشوق إلى المحبوب، وقيل:المحبة مواطأة القلب لمراد الرب فيحب ماأحب ويكره ما كره.
وأعلم يا أخى أن محبة رسول اللههى المنزلة التى يتنافس فيها المتنافسون، وإليها يشخص العاملون، وعليها يتفانى المحبون، وبروح نسيمها يتروح العابدون، فهى قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون وهى الحياة التى من حرمها فهو من جملة الأموات، وهى النور الذى من فقده فهو فى بحار الظلمات، سوهى روح الإيمان والأعمال والأحوال والمقامات، وإذا كان المرء يحب غيره على ما فيه من صورة جميلة، وسيرة حميدة، فكيف بهذا النبى الكريم والرسول العظيم الجامع لمحاسن الأخلاق الكريمة،المانح لنا جوامع المكارم والفضل العميم، فقد منحنا اللهبه منح الدنيا والآخرة وأسبغ علينا نعمة ظاهرة فاستحق أن يكون حظة من محبتنا له أو فى وأزكى من محبتنا لأنفسنا وأولادنا وأهلينا وأموالنا والناس أجمعين، بل لو كان فى منبت كل شعرة منا محبة تامة له - صلوات الله وسلامه عليه - لكان ذلك بعض ما يستحقه علينا، وقد روى أنسأنهقال:(لا يؤمن أحدكم حتى يحب أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) فهذا شرط صحة الإيمان لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال قال سيدنا عمر بن الخطابللنبىيا رسول الله لأنت أحب إلى من كل شىء إلا من نفسى ، فقال النبى:لا والذى نفسى بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر، فإنه الآن والله لأنت أحب إلى من نفسى، فقال النبى:أن يعرض على نفسه أنه لو خير بين ما يحبه من أغراض الدنيا وبين رؤيا رسول الله لما اختار إلا رؤية الرسولوأهل المحبة متفاوتون فى درجة الحب، فمنهم من أخذ من مرتبة الحب لالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقا فى الشهوات محجوبا بالغفلات فى أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبىاشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وماله وولده ويجد رجحان ذلك من نفسه سوجدانا لا تردد فيه، وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبر رسول اللهورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر، لما وقر فى قلوبهم من محبتهغير أن ذلك سريع الزوال لتوالى الغفلات :(وقد روى اسحق:أن امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول اللهفقالت:ما فعل رسول الله، قالوا: خيرا هو بحمد الله كما تحبين ، فقالت: أرونيه حتى أنظر إليه ، فلما رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل - أى صغيرة). وقال الإمام البغوى فى تفسير قوله:ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (النساء 68) أنها أنزلت فى ثوبان مولى رسول الله وكان شديد الحب لرسول الله قليل الصبر عنه ، أتاه ذات يوم وقد تغير لونه يعرف الحزن فى وجهه ، فقال له رسول الله : ما ير لونك ، فقال: يارسول الله ما بى مرض ولا وجع غير أنى إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثم ذكرت الآخرة ، فأخاف أن لا أراك لأنك ترفع من النبيين وإنى إن دخلت الجنه فى منزلة أدنى من منزلتك وإن لم أدخل الجنة لم أرك أبدا ، فنزلت هذه الآية وبالجملة فلا حياة للقلب إلا بمحبة الله ومحبة رسوله ، ولا عيش إلا عيش المحبين الذين قرت أعينهم بحبيبهم وسكنت نفوسهم إليه واطمأنت قلوبهم به واستأنسوا بقربه وتنعموا بمحبته ، ففى القلب طافة لا يسدها إلا محبة الله ورسوله ، ومن لم يظفر بذلك فحياته كلها هموم وغموم وآلام وحسرات ، ولن يصل العبد إلى هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية حتى يعرف الله ويهتدى إليه بطريق توصله إليه ويخرق ظلمات الطبع باشعة البصيرة فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة ، فينجذب إليها بكليته ويزهد فىالتعلقات الفانية ويدأب فى تصحيح التوبة والقيام بالمأمورات الظاهرة والباطنة ثم يقوم حارسا على قلبه فلا يسامحه بخطرة يكرهها الله ولا بخطرة فضول لا تنفعه ، فيصفو لذلك قلبه بذكر ربه ومحبته والإنابة إليه فحينئذ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه وطلبه والشوق إليه فإذا صدق فى ذلك رزق محبة الرسول واستولت روحانيته على قلبه فجعله أمامه استاذا ومعلما وشيخا وقدوة ، كما جعله الله نبيه ورسوله وهاديه ، فيطالعسيرته ومبادىء أموره ، وكيفية نزول الوحى عليه ، ويعرف صفاته وأخلاقه وآدابه وحركاته وسكونه ويقظته ومنامه وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه إلى غير ذلك مما منحه الله حتى يصير كأنه معه من بعض أصحابه .
وعن أنس أن رسول الله قال:(ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود فى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف فى النار).
المصدر: مجلة التصوف الاسلامي
محب الحبيب
السعودية
أشكرك من الأعماق على هذا الكلام الجميل، ولعل كذلك من الأمور الجالبة لمحبة الرسول صل الله عليه وسلم، دوام الصلاة عليه بأن يجعل الإنسان له ورد يومي لا يتركه من الصلاة والسلام عليه، وكذلك أن يبحر ويتمعن في قراءة سيرة المصطفى صل الله تعالى عليه وسلم، وأن يهتم ويحرص على اتباع سننه وخاصة السنن التي هجرها الناس.
أسأل الله أن يرزقنا حبه وحب نبيه، والسلام عليكم.
زكريا علي
الجماهيرية اليبية
بسم الله الحمن الرحيم
أطلب منكم شرح وافي للمحبه في الرسول صلى الله عليه وسلم من الطريقه القادريه العليه التي هي طريقتي الغاليه ،وكذلك أوراد المريد القادري بالتفصيل
وشكراًجزيلا لكم للمشاركه
ابراهيم سعيدالبرهانى جامعة الازهر
مصر المنيا
اللهم صل على حبيبك وعبدك سيد الخلق - سيدنا محمد - وآله وسلم وارزقنا اللهم حلاوة محبتك واحشرنا فى زمرة المحبين.
قال الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى رضى الله عنه فى ديوانه شراب الوصل:
ألا أن داء الحب للصب علة ولكنها تشفى عضال الأعلة إن للحب معان ومراتب وآيات ولا شك إنه لا يعلمها إلا أهل العلم الذين هم الباب والذين خصوا بفهم جديد ودقيق لكتاب الله وكذا سنة رسوله عليه الصلاة والسلام ومن يكون غير آل بيته الأطهار الذين جعلهم الله رحمة للناس فى كل زمان ومكان وغيرهم وموضوع المحبة بحر فلنترك الحديث عنه لأهل العلم إلا أننا نريد - فقط - أن نذكر القارىء بما ورد فى كتاب (مدارج السالكين) لابن قيم الجوزية فى حديثه عن منزلة المحبة: (هى المنزلة التى بها تنافس المتنافسون واليها شخص العاملون والى علمها شمر السابقون وعليها تفانى المحبون وبروح نسيمها تروَّح العابدون على قوت القلوب وغذاء الارواح وقرة العيون وهى الحياة التى من حرمها فهو من جملة الأموات والنور الذى من فقره فهو فى بحر الظلمات تالله لقد سبق القوم السعاة وهم على ظهور الفرش نائمون وقد تقدموا الركب بمراحل وهم فى سيرهم واقفون: ومن لى بمثل سيرك المدلل تمشى رويداً؟ وتجىء فى الاول ويذكرنى ذلك قول القائل: واتبع سبيل الهوى تلحق بسابقه إن الهوى يلحق النوام بالسارى وتاييداً لذلك قوله صل الله عليه وسلم: (يحشر المرء مع من أحب). واذا رجعنا لقول الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى رضى الله عنه: وإذا تأملنا مليئا ألا أن داء الحب للصب علة ولكنها تشفى عضال الأعلة نجد أن الجملة خبرية مؤكدة بمؤكدين وهذا الخبر ملقٍ للمنكر لما تضمنته الجملة أو لمن فى منزلة المنكر إذ أن المحبة منزلة عُليا لا تأتي إلا بالمجاهدة ومحاربة النفس وجاهل المعنى هو فى منزلة المنكر وإن كان خالي الذهن و(ألا) تنبيهية وكأن القائل أراد من المخاطب أن ينبهه للمعنى ولا ينكر ثم كان المدخل بعد ذلك بـ(انَّ) المؤكدة المشددة والتى تدل ايضا على القوة والغرض من القاء الخبر هنا هو حث المخاطب وهو المريد بأن يكون من أهل المحبة كما يقول الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضى الله عنه: كثيرا فى وصاياه لمريديه:(ان الطريقة هى عبارة عن شيئين اثنين حسن عقيدة واوراد وهما يجلبان المحبة). ومع كون المحبة داء وعلة إلا أنها تشفى عضال الأعلة وكما فى موضع آخر (والحب يشفى سائر الاسقام). وللننظر إلى البلاغة فى قوله جامعا بين الاضاد: (داء... ولكنها تشفى) فأسلوب الطباق هنا زاد من رونق المعانى لا سيما وقد جاء عفوا غير متكلفاً ومثل هذا الأسلوب كثير الورود فى ديوانه. وأرى أن فى قوله إشارات منها: انه قد ابتداك بـ (داء الحب للصبِّ علة) وكأنه يشير اليك بالمجاهدة ذلك لأن للحب داءا وعلة يحتاجان الصبر ومجاهدة ثم ماهى حصيلة ذلك؟ استدراكه مطمئنا المريد بـ (لكنها) اي أنك ستشفى من عضال الأعلة... ما أروع الحديث.. وما أعذبه.. يقول صاحب مدارج السالكين عن منزلة المحبة: (هى الشفاء الذى من عدمه حلت بقلبه جميع الاسقام) الجزء الثالث صفحة(6) وهناك اشارة خفية لطيفة اخرى هى ان من لا محبة فى قلبه لن يستحق المحبة فليس من تعداد المؤمنين وان بقلبه داء، وصدق من قال: (لا يؤمن احدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به). فلو بطلت مسألة المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان ولتعطلت منازل السير إلى الله فمن لا محبة له لا إسلام له البته. مدد يا مولانا الشيخ ابراهيم محمد عثمان. www.burhamiya.info
نجلا
السعودية
كلام جميل وشرح جدا رائع جزاك الله خيرا
مروان الميري
مصر/ المنيا
يموت شهيدا من أحب محمدا وآله وأصحابه فيا سعد ميت .
ونيس
كندا
اللهم صل وسلم وبارك علي سيدنا محمد طب القلوب ودواؤها وعافية الابدان وشفاؤها ونور الابصار والبصيرة وضياؤها وقوت الارواح وغداؤها وعلى اله وصحبه وسلم
(واقول في المحبة كما قال سادتنا من قبل معذور من ذاق ومعذور من لا ذاق )
امنيه اشرف احمد محمد بدير
مصر البحيره
الحمد لله والصلاة والسلام على حبيب الله احبكم فى الله واحببتكم اكثر حين قرأت كلامكم جزاكم الله عنا خيرا وزادنا محبة فى الحبيب صلى الله عليه وسلم