|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
![]() ![]() التصوف الاسلامى ودوره فى حماية مقومات بناء الأمة الاسلاميةالحمد لله الملك الحق المبين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله الصادق الوعد الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه السادة المجاهدين .. وبعد فإن التصوف مبدأ إيجابى فى بناء شخصية المؤمن. وكان هذا المبدأ بأبعاده التاريخية – جهاداً ومجاهدة ورباطاً ومرابطة وصبراً وتضحية – غائباً لمدة طويلة من حياة الناس فأصبح من الضرورى التذكير به فى جميع الاتجاهات والرجوع إليه لما له من أهمية فى اعادة بناء المجتمع الإيمانى القوى القادر على مواجهة التحديات والصمود والقادر على صنع قراره بنفسه وتحرير إرادته من التبعية والتقليد الأعمى للأعداء....لعقد ملتقى عالمى يضم جميع قادة الفكر الصوفى وأئمة الطرق فى طرابلس بالجماهيرية الليبية ، لها أثر طيب وموقع عظيم فى نفوس السادة الصوفية. ولقد تم ذلك بحمد الله على مرحلتين : (الأولى ) حين حضر جمهور من الأخوة قادة الطرق الصوفية جلسة تحضيرية دامت يومين كاملين فى مدينة طرابلس تدارسوا فيها أهمية التصوف الإسلامى والطرق الصوفية وما يمكن أن يحققه التصوف الاسلامى للأمة الاسلامية فى ظروفها الراهنة. (الثانية) حين عقد ملتقى التصوف الإسلامى العالمى تنفيذاً لهذه الفكرة فى السادس عشر من سبتمبر الفاتح عام 1995 بطرابلس. ولقد بحث الحضور التصوف من كل الجوانب ونظروا فى امكانية حشد جميع القوى من أجل التصدى للهجمة الشرسة من قبل الصليبية الحاقدة على الإسلام وأدركوا أن الحل لا يأتى بالإستسلام ولكن بالصمود والتصودى والرباط والجهاد وبعمارة الظاهر بصالح العمل والباطن وبالورع والزهد والتقوى مما يقوى الإرادة ويححرها من التبعية والجرى وراء المتع والملذات والركون الى الرعونات والراحات والانسياق وراء النزعة الاستهلاكية لمنتجات أعداء الإسلام. ولقد تأكد لديهم أن إهمال هذا الجانب من تراثنا الإسلامى الأصيل كان واحداً من أكثر العوامل التى أثرت سلباً كما ترى فى تقاعس أمتنا عن الجهاد والترابط والصبر والمصابرة وجعلت الأمة جسداً هامداً بلا روح لفقدانها القيم الروحية التى ينادى بها التصوف الإسلامى كالزهد والورع والتقوى. ومعلوم أن طرق التصوف يقوم على أساس البيعة فيها على التقوى والأعمال الإسلامية التى من أبرزها رفض الباطل والهيمنة الأجنبية أيا كان نوعها أو مصدرها من النفس أو الشيطان أو الهوى أو الكفار. إن الزهد الذى يتحدث عنه العديد من الأخوة الذين شاركوا فى هذا الملتقى العظيم يعنى ضمن ما يعنى خروج محبة كل عائق عن تحقيق الأهداف من القلب وإلقاء كل ما يثبط العزيمة أو يشوش الفكرة وراء الظهر. وأعلى ما فى الزهد هو الرضا بالله والاكتفاء به ونبذ كا ما يشغل عنه أو ينحرف بالإنسان عما كُلف به أو يحبس أو يقطع عن الحضور مع الله أو يحجب عن مشاهدة حضرته. وأدنى ما فيه هو العزوف عن دار الغرور بالتمسك بعقد البيع الواقع بين العبد وربه ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون ، وعداً عليه حقاً فى التوراة والأنجيل والقرآن ، ومن أوفى بعهده من الله ، فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به ، وذلك هو الفوز العظيم (التوبة : 111 ) ولا يتم مطلقاً الذهد فى المال والنفس إلا بالصدق فى المحافظة على هذا العقد بالصبر والمصابرة والرباط الدائم ، قال تعالى يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ( آل عمران : 200 ) .وإذا كان التصوف وسيلة إلى تحقيق جميع مقامات الدين الثلاثة فلابد من الجهاد المطلق حتى يصدق الإيمان ويعلو فى القلب صرح اليقين بأن الله تعالى : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله ، أولئك هو الصادقون (الحجرات : 15) . وإذا كان السلف الصالح دفعت بهم ظروف ومفاهيم سامية الى فهم الزهد بأنه تحرير للإرادة حتى تتعادل عندهم قيم الأشياء المادية فيتساوى عند أحدهم الذهب والتراب والفضة والحجر والغنى والفقير ويتساوى عنده العز والذل والظهور والخمول والمدح والذم والرافعة وضدها ، بحكم الاستغناء بالله والاكتفاء به عما سواءه ، فإن مفهوماً آخر إلى جانب ذلك يجب أن يأخذ مجراه وهو التحرر من الانبهار والتعلق بكل ما هو غربى والعمل من أجل كبح جماع النفوس الشهوانية التى جعلت من أمتنا مجتمعات استهلاكية يسيل لعابها لكل منتج أجنبى وتزهد كل الزهد فى مجتمعات استهلاكية يسيل لعابها لكل منتج وتزهد كل الزهد فى كل منتج محلى أو إسلامى. إذن فلابد من مقاومة سياسة إسالة اللعاب التى يمارسها الغرب من أجل المحافظة على النزعة الاستهلاكية فى أفراد أمتنا وجماعاتنا بل مجتمعاتنا. فالزهد يجب أن يكون رفضاً لكل باطل أو معوق يمنع من تحقيق أهداف الأمة. والسادة الصوفية بما لهم من خبرات متوارثة فى مجال التربية الشاملة على القيم الاسلامية السامية وبما لهم من اختلاط بطبقات الشعوب فى القاعدة العريضة يستطيعون أن يرتفعوا بأمتنا من كونها مجرد أمة مستهلكة لما ينتجه الآخرون إلى مستوى العمل الجاد والإنتاج مما يحقق لها الاكتفاء الذاتى وأن يبعثوا فيهم روح العزة والكرامة والثقة بالنفس. وقد يستغرب بعض الناس من هذا الموقف الذى هو تجاوب مع الخط السياسى المتشدد ولكننى أطمئن هؤلاء وأقول لهم إن هذا هو الإسلام وهذه هى سياسته ولنستمع جميعاً إلى القرآن وهو يدعو الى الزهد فيما غرق فيه الجاهليون من زخرف ومتاع هو زهرة الحياة الدنيا ، يقول الحق تعالى: ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ، ورزق ربك خير وأبقى. وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً ، نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (طه : 131 – 132).ويقول الحق أيضاً : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (الكهف : 28) وإننا إذ ندعو أهل الطرق الصوفية إلى تعبئة الأغلبية الساحقة من المسلمين والمتمسكين بمناهج التزكية الربانية والخروج من العزلة الى المواجهة نطالب الجميع بتكريس كل الجهود من أجل تطويق كل أنواع المؤامرات ضد الإسلام عموماً وضد التصوف الإسلامى على وجه الخصوص. صحيح أن التصوف ليس فى حاجة الى العودة الى أساليب بعض متصوفة القرون الوسطى من الإغراق فى المعميات واستحلاء ترديد الكلمات الجوفاء التى لا تحمل وراءها إلا جهلاً وضلالاً أو الجنوح الى بعض مصطلحات الفلسفة المثالثة.ولكننا يجب أن نستفيد من قوة التراث الروحى الصوفى الثقافى ونحوله إلى مبادئ واضحة للأذهان ومناهج موضوعية تصلح زاداً لا ينصب معينة ولا ينقطع مدده حتى نزيل تهمة الانعزالية والسلبية والانطواء على النفس والتقوقع والدروشة من التصوف الأصيل بتحويل قدراتنا ومقوماتنا الروحية وقيمنا الربانية إلى سلاح تواجه به أمتنا الغزو الفكرى الصليبى الذى بدأ يدق طبول الحرب ضد الإسلام ودوله وأقطاره والذى قد بدأ بحرب استنزافية تهدف الى اختراق الشعوب الإسلامية وتشكيكيها فى نفسها وفى قدراتها على الصمود والتصدى وعلى الجهاد والمرابطة .. فبدأ بمحاصرة الإسلام متمثلاً فى سياسة الحصار والتجويع التى فرضها على العراق وليبيا والبوسنة المعتدى عليها والتهديد بفرض هذا الحصار الظالم على بلدان إسلامية أخرى .. إلى غير ذلك من صور الاعتداءات. والتصوف الإسلامى بتنبيه لهذه المواقف يدعو الى العمل فى مجال الدعوى الاسلامية بالتحلى بالحكمة والتزام الموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هى أحسن ، ويدعو الى وحدة العمل الإسلامى ورفض كل أنواع الغلو التعصب والتطرف الدينى تمسكاً بروح التسامح الإسلامى ، ليس مع المسلمين فحسب ، وإنما مع جميع المنصفين من أتباع الديانات السماوية الأخرى ، كما أننا نرى أن ارتباط برامج الدعوة بمناهج التربية فى الدول الاسلامية ضرورى فى هذه المرحلة. فيجب استلهام قيم ومبادئ التصوف الإسلامى فى مناهج التربية والتعليم فى جميع الأقطار الإسلامية حتى ينشأ جيل مشبع بروح التدين والالتزام ، جيل يملأ الفراغ فى كل المجالات ثقافياً وعسكرياً واقتصادياً وسياسياً حتى تحدث تغييراً إيجابياً فى مراكزنا ومعاهدنا على مستوى الحكومات أو الأهالى وبذلك تتحول زوايانا إلى مراكز إشعاع تعمق روح الاعتزاز بالعقيدة والتسلح بالإيمان ومقتضيات اليقين والتقوى. وبذلك يمكننا أن نواصل الدور الذى امتاز به جهاد الصوفية على مدى تاريخ أمتنا ونضالها الطويل .. ابتداء من عدوان المستهزئين فى مكة إلى تخذيل المنافقين ومكائد اليهود فى المدينة وتلبيسات الزنادقة والملاحدة فى العهدين الأموى والعباسى وانتهاء بدسائس المشتشرقين التى كان من نتائجها الحروب الصليبية والغز التنصيرى والسطو الاستعمارى على بلاد الاسلام. فمنذ القرن الثانى الهجرى رفع السادة الصوفية راية الثورة ضد الباطل وأهله فى كل مكان حتى نشروا الإسلام ونجحوا فى نشر اللغة العربية لغة القرآن وفى غرس الفضيلة فى نفوس الشعوب التى هداها الله إلى الإسلام بجهزدهم وجهادهم ورباطهم الذى تحطمت عليه كافة المغريات والمكائد من أعداء الإسلام أعداء الحق والعدالة أعداء الإنسانية. والآن يجب أن نشير إلى خطوات البداية فى رحلة الجهاد الصوفى واضعين أمامنا هدى نور قوله تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (العنكبوت : 69 ).التصوف إن التصوف ينقسم الى قسمين : نظرى يبحث فى حقائق المعارف وشئون الحق فى تجلياته بأسمائه ، ولقد قال تعالى: كل يوم هو فى شأن (الرحمن : 29).وعملى هو يشمل الاهتمام بالأعمال التزاماً وأدباً وتصفية حتى تخلص من جميع الشوائب وتصلح للقبول ورعاية الأحول والأخلاق النفسية حتى تطهر وتزكو ويرتقى بها العبد إلى مقامات القرب والوصول. والأصل فى ذلك كله قوله تعالى وأن أقم للدين حنيفاً ولا تكونن مع المشركين (يونس :105) وقال : فأقم وجهك للدين حنيفاً ، فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون . منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكنوا مع المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، كل حزب بما لديهم فرحون (الررم : 30 – 32 ) وقال : فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا (هود : 112) وقال تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، وذلك دين القيمة (البينة : 5).ومن هنا قال العارفون إن التصوف العملى ليس إلا تصفية الأعمال حتى تخلص وتصلح وتصفية الأحوال الباطنية حتى تزكو وترفع السالك الى مقامات القرب والوصول وعند ذلك يستقر فى القبل نور يهدى الوافق الى العمل الصالح وتعظيم شعائر الله والتقديد بأحكام الشريعة لا يحيلا ولا تسترا بل إيماناً خالصاً. وبذلك يرجع معنى التصوف إجمالا الى معنى التزكية التى جاءت مكررة فى القرآن الكريم فى أكثر من صورة مما يجعل من السهل على الصادق اكتشاف أن التصوف برمته موجود فى القرآن الكريم من حيث المضمون . ذلك لأن الله تعالى فى جميع أحكامه وتشريعاته وتوجيهاته الربانية بالأمر والنهى والوعد والوعيد والترغيب والترهيب لا يريد إلا تطهير جوهر النفس الإنسانية وإعادتها إلى مقام صفائها الأصلى حتى تكون محلاً صالحاً للإكرام والإنعام والرضا والتقريب ، قال تعالى : ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خام من دساها (الشمس : 7 – 10) وقال كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (البقرة : 15) وقال تعالى: ربنا وابعث فيهم رسلا منهم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (البقرة : 151 ) وقال تعالى : ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ، انك أنت العزيز الحكيم (البقرة : 129 ) وقال أيضاً : لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين (آل عمران : 164 ) ويقول أيضاً : هو الذى بعث فى الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين (الجمعة : ) وفى الصحيح الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . وليس تكرار كلمة التزكية فى القرآن فى هذه الآيات من السور المختلفة لمجرد الصدفة بل إنها تشير الى مضمون يطلب بالأصالة الاهتمام به ضمن المهام التى كلف الله بها رسوله المصطفى محمداً صالى الله عليه وسلم . ولقد ظهر أثر هذه التزكية على سلفنا الصالح فى السلوك والمظهر فنجحوا فى جميع أعمالهم. ولقد فقدنا نحن هذا المعنى فصارت أحوالنا إلى ما لا يخفى على كل ذى لب.هذا ولعظيم الفضل الذى امتاز به الصحابة ببركة صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم يظهر أثر هذه التزكية عليهم فى مدة وجيزة ودون أدنى كلفة سوى مجرد الإيمان والأخذ فى صالح الأعمال. ولما تقادم الزمان جاء المتأخرون فأرادوا ذلك فوجدوا أنفسهم محاطين بظروف لا يستطيعون معها التحقق بمقام التزكية فلجؤوا إلى العزلة والتجرد حتى يقوى أثر هذه التزكية عليهم فيعودوا إلى الخلطة ومشاركة المسلمين فى أتراحهم وأفراحهم وبذلك صارت العزلة بعد اليقظة من نوم الغفلة من أهم أركان السلوك وركائز تخلية النفس من الشوائب وتحليتها بالفضائل. وهذا المعنى كما ترى ليس منتحلا من الشرق أو الغرب ، ولم ينشأ إلا فى البيئة القرآنية ولكن الانهزاميين من بعض الكتاب أو المضللين لما فقدوا الثقة فى علوم الإسلام وعلماء الأمة ساروا وراء كتاب الغرب فقلدوهم تقليداً أعمى فى التشكيك فى صحة أن القرآن هو المصدر الأساسى لجميع علوم الدين ولا فرق فى ذلك بين فقه الظاهر وفقه الباطن كما رسم ذلك الإمام الغزالى والأئمة قبله وبعده. اليقظة قال تعالى : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم المد فقست قلوبهم ، وكثير منهم فاسقون (الحديد : 16 ).فاليقظة هى انبعاث القلب وانزعاجه لوارد الانتباه من نوم الغفلة ، وبعدها يدرك الإنسان لماذا خلق وبماذا أمر ثم يترتب عليها الفكرة وهى اتجاه القلب الى المطلوب والفكرة الصحيحة هى تلك الفكرة التى تقارنها الهمة العالية. والهمة قوة العزم على تحقيق المطلوب. تكون عالية إذا تعلقت بمعالى الأمور كالآخرة والثواب والمعرفة بالله والوصول الى رضاه ، وتكون دنية إذا تعلقت بعكس ذلك الدنيويات والسلفيات والشهوات والأهواء والأغراض. وبالحصول على نور اليقظة يدرك الإنسان ويعقل عن الله ويدرك صدق ما أخبرت به الرسل من الوعد الوعيد وإدراك فضل الآخرة على الدنيا ، وشرف ما يبقى على ما يفنى ويقوى عزمه كذلك على قطع المسافات ، ومن هنا نقول: إذا أنعم الله على العبد باليقظة بدأ بالتوبة إلى الله وتخلص من أوهان الذنوب وقيود المخالفات وأخذ فى عمارة أوقاته بالإيجابيات واختفت من حياته جميع السلبيات بحيث يرد جميع المظالم ويقضى كل ما ترتب على ذمته من الفوائد ويلتزم أداء الفرائض التى هى أساس وظائف العبودية ورأس حقوق الربوبية ثم يكون من نتيجة ذلك النظر فى ضبط الوقت وحمايته من الفراغ والضياع. وخلال رحلته الطويلة فى نيل المطلوب وقطع المسافات الى ساحات القرب الإلهى يواجه الكثير من المعوقات وأعظمها أربعة: أولها : الدنيا وفتنتها لا يصفو لعبد عمل الآخرة قبل الذهد فى الدنيا ، فإن القلب الذى شغل منه جانباً حب الدنيا قد يمنعه من العبادة رأساً أو يمنعه من تجويدها وإحسانها إن لم يقطعه من العبادة رأساً .. فإن الراغب فى الدنيا ظاهر مشغول بطلبها وباطنه مقيد بالتفكر فيها وإرادة الوصول الى زهرتها . والعاقل يجب عليه أن يدرك أن الدنيا عبارة عن أشياء كثيرة تنحصر فى أمرين أثنين حلال وحرام ، فحلالها حساب وحرامها عقاب وترك الحرام من ذلك فرض تضييعه نقض صريح لعقد التوبة والإنابة ورجوع الى أودية الغفلة أو ترنح فى أوحال الضياع فلم يبق إلا الزهد فى فضول الحلال أو الزهد بالقلب ومعناه عدم التعلق بها أو الالتفات اليها. وفى الحديث ليست الزهادة بتحريم الحلال ولا بتضييع العيال ولكن الزهادة أن تكون بما فى يد الله أوثق منك مما فى يدك .. الحديث ، وقال تعالى : اعلموا انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر فى الأموال والأولاد ، كمثل غيث أعجب به الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ًثم يكون حطاماً ، وفى الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (الحديد : 20) وقال أيضاً : إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (التغابن : 15) ويقول : يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (المنافقون : 9 ).ويقول أيضاً: واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (الأنفال :28). ويقول أيضاً: المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً (الكهف : 46).وفى عرض آخر يوضع لنا الحق تبارك وتعالى أن الناس جميعاً عرضة للوقوع فى بحر الدنيا والغرق فيه لأنها دائماً مزينة فى نظر الانسان إلا من عصم الله ، يقول تعالى: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ، ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ( آل عمران : 14 ).وأما المزهد فى الدنيا فأمور منها سرعة زوالها وكونها السبب المباشر لفوات سعادة الأبد سعادة الآخرة وكونها متغيرة دائماً لا تدوم على حال ولا يدوم فيها حال إلى غير ذلك ، قال تعالى : إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس ، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (يونس : 24 ) معنى هذا أن غير المتفكرين إما أن يهملوا الاهتمام بهذا الجانب أو لا يعطوه حقه من الاعتناء بالواجب .وإذا تأملنا آيات القرآن فى التحذير من الافتتان بالدنيا والتنبيه الى سرعة زوالها والحذر من الاغترار بمتاعها ، نجد دائماً عقف ذلك دعوة حارة ونداء صريحاً إلى أمر آخر هو أهم عند الله من الدنيا وما فيها : أعنى الجنة وما أعد فيها من نعيم دائم لعباده الصالحين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .. فبعد أن أوضح لنا أن الدنيا لا تعدو أن تكون لعباً ولهواً وزينة وتفاخراً بين الناس وتكاثراً فى الأموال والأولاد .. إلخ، جاء الأمر الصريح بالتسابق إلى الجنة وما أعد الله فيها مع الإرشاد إلى أن ذلك ينال بفضل الله ورحمته إذ قال تعالى: سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم (الحديد : 21 ) وكذلك بعد الكشف عن حقيقة الدنيا وسرعة زوالها ، قال : والله يدعو الى دار السلام ويهدى من يشاء الى صراط مستقيم .(يونس : 25 ) وهذا يعنى أن الذهد وإن كان مهما فإنه ليس الغاية فى هذا الأمر فلا بد من الاهتمام بالآخرة والإعداد لها بالتقوى والعمل الصالح.وفى الحديث عن عمر بن عوف الأنصارى رضى الله عنه أن رسول الله قال : فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتكم رواه البخارى ومسلم.وهذا العائق خطير قطع أكثر الناس وخاصة فى زمن تسيطر المادية فيه على الروحانية وينساق الناس بجميع فئاتهم وراء زهرة الحياة الدنيا ، وإذا عرف الإنسان الحكمة التى خلق من أجلها وهى العبادة وأن الله ضمن له رزق الدنيا وكلفه بعمل الآخرة والسعى لها سعياً حثيثاً مع الإيمان والاحتساب سهل عليه قطع هذه العقبة والانتصار على هذا العائق بامتثال الأمر فى ذلك واجتناب النهى فيه ، قال تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما اريد ان يطعمون . ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين الذاريات : 56 – 58) ويقول فى آية آخرى: ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا، لنفتنهم فيه ، وزرق ربك خير وأبقى. وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك ، والعاقبة للتقوى (طه : 131 – 132 ).فاتضح أن الزهد النافع يجب أن يصاحبه إرادة الآخرة والسعى لها مع صدق الإيمان واستقامة الأعمال والأحوال وحقيقته الثقة بما فى يد الله وعدم الالتفات الى ما فى اليد. ثانيها : الخلق والاشتغال بهم ، فإنه من أعظم العوائق ، لذلك لجأ كثير من الموافقين إلى العزلة وترك الخلطة. وضرر الاختلاط بالخلق فى إشتراطهم مع الله تعالى فى المعاملة بحيث يطمع فيهم الإنسان أو يخافهم وبذلك يصبح التعلق بهم والسعى فيما يرضيهم هو شغل القلب الشاغل وهذا يعوق عن الإخلاص لله والثقة بوعد الله والتوكل على الله. والمفروض أن الصوفى يجب أن يتعامل مع الله فى قوة ويقين ورباطة جأش. وفى الحديث عن أبى أمية الشعبانى قال : سألت أبا ثعلبة الخشنى كيف تقول فى هذه الآية : " عليكم أنفسكم " قال أما والله لقد سألت عنها خبيراً ، سأت رسول الله فقال :"ائتمروا بالمعرف وانتهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذى رأى برأيه فعليك بنفسك ودع عنك العوام ، فإن من ورائكم أيام الصبر ، الصبر فيهن مثل القبض لعى الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمليه " رواه ابن ماجة والترمذى : وفى رواية أبى داود : قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلاً منا أو منهم ، قال بل خمسين منكم ". وعن مكحول الشامى رضى الله عنه قال : قال رجل متى قيام الساعة يا رسول الله ، قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل ولكن لها أشراط وتقارب أسواق قالوا : يارسول الله ، وما تقارب أسواقها ، قال : كسادها، ومطر ولا نبات وأن تفشوا الغيبة وتكثر أولاد البغية ن وأن يعظم رب المال وأن تعلو أصوات الفسقة فى المساجد وأن يظهر أهل المنكر على أهل الحسن ، قال فما تأمرنى ، قال فر بدينك وكن حلساً من أحلاس بيتك ". رواه ابن أبى الدنيا وهو مرسل. وعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : كيف أنت إذا بقيت فى حثالة من الناس ، قلت يا رسول الله كيف ذلك ، قال : إذا مرجت عهودهم وأماناتهم وكانوا هكذا ، وشبك بين أصابعه ، قلت: ما أصنع عند ذلك يا رسول الله ، قال : اتق الله عز وجل وخذ ما تعرف ودع ما تنكر وعليك بخاصتك وإياك وعوامهم " رواه أحمد. وإذا علمت معنى كلمة التوحيد على وجهها الحقيقى الصحيح استرحت لأنها تعنى التسليم والاستسلام لله وحده ولا محل لاعتبار أمر غيره ولا نهيه وبذلك يتحقق للمؤمن معنى الحرية الحقيقية. ومفتاح جميع الشرور هو الركون الى الناس وهو على ما هم عليه من الظلم والإجفاف، قال تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ( هود : 113 ).فإذا تحرك ظاهرك فى الحق ، وتعلق باطنك بالحق ، فقد تحررت من عقبة الوقوف مع الخلق وبالانتصار فى هذا المقام يقوى الإنسان على مقاومة جميع قوى البغى والظلم والجهر بكلمة الحق والنصح لكل مسلم. ثالثاً: النفس ، والرضوح الى مطالبها من شهواتها وأهوائها وهى على نمطين .. أى أن القلب مادام يجرى وراء الشهوات والرعونات واتباع الراحات سمى نفساً ، وإذا تعلق بالآراء والأفكار وتعصب لها سمى هوى ومرجع الكل إلى النفس ، قال تعالى : إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى .. (يوسف : 53 ) وقال تعالى : ونفس وما سواها. فألهمها فجروها وتقواها ، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها (الشمس: 7-10 ) وقوله تعالى : " ونفس وما سواها " أى سوى خلقها بتعديل أعضائها وقواها " فألهمها فجورها وتقواها" ، " قد أفلح من زكاها " أى طهرها من الأدناس والأخلاق السيئة والطباع الذميمة ، " وقد خاب من دساها " أى من دنسها ونقصها وانحرف بها عن الهدى والاعتدال. ومما هو معلوم أن خيبة الإنسان الواقع تحت تأثير النفس وسيطرتها من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى إقامة الدليل. فما من ذنب أو معصية أو كفر أو شرك أو انتكاسة خلفية وقعت فى الكون منذ بدء تاريخ الحياة على ظهر هذه الأرض إلى الآن إلا وكان السبب تأثير هذه النفس. فمثلا معصية إبليس وكفره وقع له من قبل كبر نفسه ورؤية فضلها على الغير ، وليس هناك شيطان آخر وسوس له أو لبس الأمر عليه أو دنيا افتتن بها أو خلق يرغب فيما فى أيديهم أو يرهبهم ولكنها شهوة النفس وتأثيرها.وآدم عليه السلام اغتر بقول إبليس بسبب هيجان شهوة النفس وحرصها على البقاء وحيازة الملك والسلطة، وهكذا ما وقع لقابيل من قتل هابيل أخيه ، وإلى غير ذلك مما لا حصر له. فلابد من كبح جماحها بلحام التقوى وحبسها فى سياج الاستقامة ، قال تعالى : "... ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب ... " (الطلاق : 2 – 3) وقال تعالى : "ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ... " الآية (النساء : 131) ويقول أيضاً : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون (فصلت : 30). وقال تعالى: ان الذين قالوا ربنا اله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هو يحزنون (الأحقاف: 13).وأضرار النفس كثيرة فمن لم يحتط منها فى ظل التقوى والاستقامة فإنه يخسر خسارة الأبد ، وانظر الى قصة أصحاب الجنة فى سورة (ن) وإلى قصة صاحب الجنتين فى ( الكهف ) فإن الحرص والغرور هما السببان المباشران لما أصابهم ، وكلاهما من صفات النفس قال تعالى: " ومن يوق شح نفسه فأولئك هو المفلحون". وقال : يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ، واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعلمون. ولا تكونا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، أولئك هم الفاسقون. ولا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون (الحشر: 18 – 20 ) وقال تعالى : فأما من طغى. وآثر الحياة الدنيا. فإن الجحيم هى المأوى. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هى المأوى (النازعات: 37 –41).وأهواء النفس كثيرة شرها الشرك بالله والكبر والحرص والحسد والكذب والطمع والشره ، قال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهة هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله ، أفلا تذكرون (الجاثية : 23) وزيع النفس إذا النفس إذا بلغ مستوى الهوى صعب علاجه إلا بالعكوف على الذكر والجهاد والمرابطة على القلب ، قال تعالى : أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ، إن هم إلا كالأنعام ، بل هم أضل سبيلاً (الفرقان:43–44).وجاء فى الحديث عن ابن مسعود مرفوعاً : " إياكم والكبر فإن إبليس حمله الكبر على ألا يسجد لآدم ، وإياكم والحسد فإن ابنى آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسداً فهو أصل كل خطيئة " رواه ابن عساكر ، فاعمل على هذا الاساس تسعد وترشد ". رابعهما: الشيطان ، فإن عدو الإنسان بنص القرآن ، قال تعالى : ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين. وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم. ولقد أضل منكم جبلا كثيراً ، أفلك تكونوا تعقلون . هذه جهنم التى كنتم توعدون. اصلوها اليوم بما كنت تكفرون . اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (يس : 60 – 65 ).وقال تعالى : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً ، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (فاطر : 6) وقال عز من قائل : " قال رب بما أغويتنى لأزينن لهم فى الأرض ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين. قال هذا صراط على مستقيم. إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ، وإن جهنم لموعدهم أجمعين. لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم . إن المتقين فى جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين. ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ... " (الحجر : 39 – 48).وقال تعالى : وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن ، إن الشيطان ينزع بينهم ، إن الشيطان كان للإنسان عدوا ً مبيناً (الإسراء : 53).وقال أيضاً : قال أرأيتك هذا الذى كرمت على لئن أخرتن الى يوم القيامة أحتنكن ذريته إلا قليلاً. قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً. واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم فى الأموال والأولاد وعدهم ، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ، وكفى بربك وكيلاً . (الإسراء : 62 : 65 ).وقال الحق تعالى مرشداً إلى أدب الدخول فى مناجاته بتلاوة كتابية : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم . إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هو به مشركون " (النحل :98 : 100) . وقال أيضاً: ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد. كُتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه الى عذاب السعير" (الحج : 3 – 4 ) وقال أيضاً : " يا بنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوؤاتهما ، إنه يراكم هو قبيله من حيث ترونهم ، إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون " (الأعراف : 27). والشيطان مكار خداع همه إهلاك الإنسان ، إنظر إلى ما جاء عنه فى آخر الحشر فى قوله تعالى : "كمثل الشيطان إذا قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إنى برئ منك إنى اخاف الله رب العالمين. فكان عاقبتهما أنهما فى النار خالدين فيها ، وذلك جزاء الظالمين " (الحشر : 16 – 17 ). وفى هذه الآيات جانب كبير من بيان أحوال الشيطان ومواقفه المعادية للإنسان. ومع أن المؤمنين المتقين محميون منه بالحصانة الإلهية إلا أن الحذر من مكائده ودسائسة هو دأب الصالحين والعارفين. وفى صحيح مسلم:"إنى خلقت عبادى حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم "عن عياض بن حمار. وفى الحديث عن ابن سعيد الخدرى قال : " قال رسول الله r : " إن الشيطان قال : وعزتك يارب لا أبرح أغوى عبادى ما دامت أرواحهم فى أجسادهم. فقال الرب وعزتى وجلالى لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى " رواه أحمد أبو يعلى والحاكم فى المستدرك. وأخرج أبو يعلى والبيهقى فى شعب الإيمان عن أنس بن مالك رضى الله عنه مرفوعاً : إن الشيطان واضح خطمه على قبل ابن آدم فإن ذكر الله تعالى خنس وإن نسى الله التقم قلبه ". والشيطان يسعى لإضلال الإنسان فى مجال العقيدة أو العمل ولا ينجى منه الا الذكر والتوكل على الله تعالى ، ففى الحديث : " إن الشيطان يأتى أحدكم فيقول : من خلق السماء فيقول الله ، فيقول من خلق الأرض فيقول الله ، فيقول من خلق الله ، فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل آمنت بالله ورسوله " رواه الطبرانى فى الكبير عن عبد الله بن عمر ، وإسناده حسن. وأخرج الامام أحمد ومسلم عن جابر عبد الله الأنصارى قال: قال رسول الله r: "إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجئ أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقته بينه وبين أهله فيدنيه منه ويقول نعم انت ". وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : " إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله تعالى فليحمد الله ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان " رواه الترمذى والنسائى وابن حبان. قلت : التعوذ بالله من الشيطن ، يعنى اللجوء إليه تعالى باليقظة والذكر ولا يقتصر على قول اللسان فقط دون يقظة القلب ، لأن من أهم أسباب مصاحبة الشيطان للإنسان الغفلة عن الله أو نسيان الذكر، فقد قال تعالى: "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين. وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. حتى إذا جاءنا قال يا ليت بينى وبينك بعد المشرقين فبئس القرين " (الزخرف : 36 – 38). ويجب أن يلتزم المريد الصادق أدب النبوة فى الأكل والشرب والدخول والخروج إلى آخر ذلك ، ففى الحديث عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى أمرنى أن أعلمكم وأن أودبكم : إذا قمتم على أبواب حجركم فاذكروا اسم الله يرجع الخبيث عن منازلكم ، وإذا وضع بين يدى أحدكم طعام فليسم الله حتى لا يشارككم الخبيث فى أرزاقكم ، ومن اغتسل بالليل فليحاذر عن عورته فإن يفعل فأصابه لمم يلومن إلا نفسه ، ومن بال فى مغتسله فأصابه الوسواس فلا يلومن إلا نفسه ، وإذا دفعتم المائدة فاكنسوا ما تحتها فإن الشياطين يلتقطون ما تحتها فلا تجعلوا لهم نصيباً فى طعامكم " رواه الحكيم الترمذى بإسناد حسن السيوطى رحمه الله ، ولقد أثبت السيوطى فى مقدمة الجامع الكبير أن الغزو إلى الحكيم الترمذى موذن بالضعف. والغفلة عن الذكر هى الإعراض عنه وتركه ومجافاته ، ويقول الحق تعالى: " ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى . قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا. قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى " (طه : 124 – 126 ). هذا وجميع الشهوات والأهواء وذميم العادات كالراحات والدعات والاستغراق فى سائر الملذات من المباحات لدرجة الاسراف يعد من الوسائل يستخدمها الشيطان للإغواء. ومن أعظم حبائله النساء ، فإن المرأة تقبل وتدبر فى صورة شيطان وهو أمر مشاهد. فقد أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله الانصارى رضى الله عنه رضى الله عنهما قال : إن رسول الله r قال: " إن المرأة تقبل فى صورة شيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن ذلك يرد ما فى نفسه " . وفى الحديث : " ما تركت بعدى فتنة أضر على الرجال من النساء " رواه أحمد والشيخان والترمذى والنسائى وابن ماجة عن اسامة بن زيد. فإذا كانت النساء بهذه المثابة فكيدهن إذا انضم الى فتنة الشيطان لا يطاق إلا باللجوء الى الله تعالى والاحتماء بذكر الله وتسبيحه والتزام جميع الأعمال الموجبة لحياة القلب ويقظته وملازمة أهل الخير من عباد الله الصالحين. ومكائد الشيطان لا تنتهى فى الدنيا وإنما حتى فى عرصات يوم القيامة ، انظر إلى قول الله تعالى: وقال الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى ، فلا تلومونى ولوا انفسكم ، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخى ، إنى كفرت بما أشركتمون من قبل ، إن الظالمين لهم عذاب أليم (إبراهيم : 22).هكذا توه أتباعه وقرناءه فى الوهم ثم تنصل عن صحبتهم واعتراف بأنه ليس له إلا مجرد التزيين والغرور فنعز بلله منه ومن جميع أنواع الشرور. فمن هنا وجب على السالك أن يلازم ذكر الله ويعمر باطنه به وبذلك ينجو من نزعه وإغوائه كما قال تعالى: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ، إنه هو السميع العليم " (فصلت : 36 ) وقال فى آية أخرى : إن اللذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هو مبصرون (الأعراف : 20) فافهم ترشد.المصدر: مكتبة السيادة http://www.alsiyada.org/tasauf.htm ![]()
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||