موقع التصوف الاسلامي
www.islamic-sufism.com

موسيقى أذكار طرق المتصوفة

تعني الطرقية مذهبا صوفيا معينا، له أتباع من خواص الناس وعامتهم، ولكل طريقة مؤسس وأتباع، كما أن لكل منها مركزا يلتقى فيه أتباعها. وهو في الغالب ما يعرف بالزاوية.
والواقع أن المغرب كان منذ القرن الثاني للهجرة، وعلى امتداد تاريخه في ظل الإسلام، واقعا تحت تأثير كل من الشرق الإسلامي وبلاد الأندلس، يظهر هذا في أخذه بكثير من الأنظمة والتقاليد الواردة منهما، فلم يكن من البدع في شيء أن يأخذ أيضا بنظم الحركة الصوفية، وأن يتبنى طقوسها وتقاليدها، وأن يقيم بمناطق مختلفة من ربوعه زوايا ورباطات.
وقد كانت الزوايا في مرحلة نشوئها الأولى التي تمتد حتى حلول القرن السادس للهجرة تعرف بدور الكرامة أو دور الضيوف، كما كانت ذات دور ديني وجهادي في آن واحد، إذ تستخدم لإقامة الشعائر الدينية وحماية ثغور البلاد.
على أن التأثر المومأ إليه بلغ شأوه البعيد في العصر الموحدي الذي وجد في الصوفية ما يقيم دعائم التوحيد الذي كان شعار الدولة آنذاك. حتى إذا قامت الدولة المرينية زادت من تنشيط الحركة الصوفية، ووجدت في أبي الحسن الشاذلي تلميذ القطب المولى عبد السلام بن مشيش خير عنصر يذكي هذه الحركة، فأحاطته بالعناية وأمدته بالعون. وهكذا لم تدركه الوفاة عام 658 هـ/ 1258 م حتى كانت طريقته قد بلغت شأوا بعيدا من الشهرة وسعة الانتشار، إلى جانب طريقة أبي صالح الدكالي المتوفى بأسفي سنة 631 هـ، وطريقة أبي زكريا الحاجي الذي ظهر بسلا آخر القرن الثامن. وقد كانت هذه الطرق في مجملها تمثل الصوفية السنية وتشكل أحد التيارات الفكرية في المغرب العربي(1).
ولم يكن تشجيع السعديين للحركة الصوفية بأقل ممن سبقهم، فلقد نقلوا رفات مؤسس الطريقة الجزولية التي تفرعت من الشاذلية إلى مراكش حيث أقاموا له ضريحا أصبح محجا للمتصوفين، وكان هذا العلم بمثابة اعتراف منهم بما لرجال الصوفية من أيادي بيضاء على البلاد تجلت في مساعدة الدولة على مقاومة المجاعة أصابت المغرب في الربع الأول من القرن السادس عشر، ومساهمتهم في إعادة بناء الاقتصاد الوطني، وما كان لهم من نفوذ روحي في الأوساط الشعبية مكن للدولة الحاكمة ودعم أركانها وآزرها في مقاومة الاحتلال الأجنبي آنذاك.

إشعاع الزاوية المغربية
ثم امتدت الصوفية المغربية إلى ما وراء الحدود المغربية، فتأسست بمختلف أقاليم الشمال الإفريقي ـ بل وحتى في مصر - زوايا تقبس من معين الطرق المغربية كالعيساوية والتيجانية والطيبية بتونس، كما أحدث المغاربة أورادا خاصة لطرق خارجة عن المغرب مثل القادرية (2).
وهكذا أصبحت الصوفية المغربية تضطلع بدور التربية الروحية في أرجاء العالم الإسلامي، وظلت حتى القرن الثامن للهجرة نقية طاهرة تقتصر على العبادة وتلاوة القرآن والذكر والأوراد المقتبسة من الآيات القرآنية، كحزب الشاذلي.
وقد سارت الأذكار المغربية في بلدان العالم الإسلامي مسار الأمثال في اللهجات، ناهيك بدلائل الخيرات التي أنشأها محمد بن سليمان الجزولي المراكشي المتوفى عام 870 هـ، فإن هذه الصلاة لا تكاد تخلو منها خزانات البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، حتى قال عنها الحاجي خليفة (3). يواظب بقراءته في المشارق والمغارب، لاسيما في بلاد الروم" وحتى قال عنها محمد مرتضى الزبيدي (4) "أنه ولعت به الخاصة والعامة وخدموه بشروح وحواش".
وقد برزت إلى الوجود في العهد العلوي وقبيل حلوله زوايا أصبحت مراكز للتصوف وتلاوة الأحزاب وقراءة الأوراد والذكر. وكان أنشط هذه الزوايا:
1- زاوية حي المخفية بفاس وزاوية حي العيون بتطوان، وقد أسسهما معا الشيخ أبو المحاسن يوسف الفاسي المتوفي سنة 1013 هـ، ورتب لمريدهما أورادا يقرأونها صباحا وعشية وبعد الغروب: ففي الصباح يقرأون حزب الفلاح الذي جمعه محمد بن سليمان الجزولي، والمسبعات العشر والمعشرات التسع، ووظيفة الشيخ زروق، والحزب الكبير لأبي الحسن الشاذلي. فإذا كان العشي قرأوا المسبعات العشر ووظيفة الشيخ زروق، وإذا غربت الشمس قرأوا حزب الفلاح للشيخ الجزولي، ورددوا سبعين مرة عبارة "حسبنا الله ونعم الوكيل" وختموا بالصلاة المشيشية للشيخ مولاي عبد السلام بن مشيش.
2- زاوية حي القلقليين بفاس التي أسسها عبد الرحمن بن محمد الفاسي المدعو بالعارف المتوفى سنة 1045 هـ وخلفه عليها حفيد أخيه عبد القادر بن علي الفاسي (1007 هـ ـ 1091 م) وقد كان المريدون على عهد هذا الأخير يجتمعون للذكر مرتين في اليوم: أولاهما بعد صلاة الصبح فيقرأون حزب الغداة ـ وضمنه حزب الفلاح والمسبعات والحزب الكبير ـ ثم يرددون الشهادتين، فاسم الجلالة ويختمون بتلاوة الفاتحة. وثانيتهما بعد صلاة المغرب، فيقرأون حزب الفلاح وحزب الشيخ عبد القادر الجيلالي والصلاة المشيشية.
3- زاوية تامكروت بدرعة جنوب المغرب التي أسسها عمر بن أحمد الأنصاري عام 983 هـ وقد تعاقب على رئاستها أشياخ كان أعظمهم محمد بن ناصر الدرعي (تــ 1085)،الذي نزل بالزاوية سنة 1040 هـ. وقد نصح هذا الأخير مريديه بقراءة الأذكار المأثورة، ثم الاستغفار والتصلية والهيللة دون تقيد بوقت معين.
4- الزاوية الدلائية التي أسسها في أواخر القرن العاشر أبو بكر بن محمد الدلائي. ولما آل أمرها إلى محمد بن أبي بكر (967 ـ 1046 هـ) جعل أذكاره هي الاستغفار، والتصلية والهيللة وبعض الأدعية، ثم لما عاد من الحج حمل معه بعض أوراد شيخ مصر محمد البكري كـ (صلاة الفاتح لما أغلق) التي مازال التيجانيون حتى اليوم مواظبين على تلاوتها في زاويتهم.

الغناء الصوفي
ولقد أصبح الإنشاد والتطريب من أوثق ما يربط الناس بالطرق، وكأنما أدرك مشايخها ما للموسيقى من سحر في النفوس وتأثير على الطبائع، فحولوا مجتمعاتهم إلى مواطن روحية تردد فيها الألحان الشجية والأغاني المرقصة، وتوقع فيها أحيانا آلات الموسيقى على اختلاف أنواعها. ولعل ذلك ما قصده اليوسي وهو يتحدث عن المريد الذي يتعاطى السماع إذ قال: "وقد يكون متمكنا يريد تدريج غيره"(5). كما جعل بعض الفقهاء من وجوه إباحته "التنازل للمريدين حتى تتفرغ قلوبهم لقبول الحق في قالب الباطل إذ ليس لهم القوة لقبول الحق في وجهه إلا بواسطة من الطبع. ولهذا الوجه نحا الشيخ أبو الحسن الششتري رحمة الله عليه بأزجاله. ولاشك أن استجلاب النفوس بمساعدة طبعها أهدى لتقريب نفعها" (6). ولقد عبر عن هذه المعاني صاحب "المواهب اللدنية" إذ قال في كلامه على السماع آخر المقصد التاسع: "فزبدة السماع تلطيف السر، ومن ثم وضع العارف الكبير سيدي علي الوفوى"(7) حزبه المشهور على الألحان والأوزان اللطيفة تنشيطا لقلوب المريدين، وترويحا لأسرار السالكين. فإن النفس كما قدمناه، لها حظ من الألحان، فإذا قبلت هذه الواردات السنية من الموارد النبوية المحمدية، بهذه النغمات الفائقة، والأوزان الرائقة، تشربتها العروق، وأخذ كل عضو نصيبه من ذلك المدد المحمدي فأثمر شجرة خطاب الأزل بما سقيته من موارد هذه اللطائف عوارف المعارف"(8).
وشيئا فشيئا ظهرت البوادر الأولى لنشوء أسلوب جديد من الغناء هو ما يمكن أن نسميه "الغناء الصوفي" وقوامه تلاوة الأذكار والأوراد في الزوايا والأضرحة "على مراعاة الطبوع والألحان والأوزان" (9)
لقد تضافرت عوامل شتى مكنت للموسيقى والغناء من ولوج رحاب التصوف في المغرب كان من بينها:
1- التأثير الخارجي، وأعني بذلك تسرب النظريات والطقوس التي تبثها مدارس التصوف في الأندلس والمشرق الإسلامي، ومن بينها مجاهدة النفس على سماع الألحان. فلقد أخذ متصوفو المغرب عن هذه المدارس ممارسة الرقص والغناء كما أخذوا عنها استعمال الآلات الموسيقية كالطبول والمزامير.
يقول مؤرخ تطوان محمد داود: "أما الذكر في الأسواق والرقص والسماع فلا يعرف فيما قبل مولاي العربي الدرقاوي المتوفى عام 1239 هـ الذي من أشياخه السادة الفاسيون. وهذه الطريقة وقع فيها تقليد المشارقة، كما أن أصحاب الشيخ سيدي محمد بن عيسى أخذوا الشطح عن الرفاعية المصرية، ومنها أخذت البيارق والأعلام والطبول والمزامير". (10)
2- موقف رجال التصوف أنفسهم من السماع، فلقد تسامحوا في ممارسته واعتبره كثير منهم مما يتوسل به إلى خالقه، ويحلي به أذكاره وأوراده، ويلوذ بحماه من أدران المجتمع، ويرفع به عوامل القلق في هذه الحياة حيث طغت الماديات، ويحلق على أجنحته في أجواء الطهر والنقاء. يقول المنجور: التصوف هو تخلية القلب عن غير الله، وتحليته بذكر الله.
وفي هذا المجال يشار إلى علمين من أعلام المتصوفة هما الشيخ محمد بن أبي بكر الدلائي والشيخ عبد القادر الفاسي، فلقد كانت الزاوية الدلائية على عهد محمد بن أبي بكر تحيى ليلة المولد النبوي بإنشاد القصائد والمقطعات والموشحات في مدح الرسول الكريم وخاصة قصيدتي البردة والهمزية للإمام البوصيري، كما أثر عن الشيخ نفسه أنه مال إلى الإكثار من السماع في آخر حياته، فنما خبر ذلك إلى شيخه أحمد بن القاضي، فكتب إليه يقول:
عهدتك ما تصبو وفـيـك شبيبــة
فمالك بعد الشيب أصبحت صابيـــا

فأجابه الدلائي بقوله:
نعم، لاح برقُ الحسن فاختطف الحشا
فلبيـتــه مــن بعد ما كنت آبيـا

أما الشيخ عبد القادر الفاسي فقد بلغ من ولعه بالسماع أنه كان يسمح لمريدي زاويته بفاس بالتغني بالأمداح النبوية وأشعار الصوفية بحضرته، "وكان يحب الششتري بالملحون، وكلام سيدي عبد الرحمن المجذوب وغيره، ولا ينكر شيئا من ذلك "غير أنه كان" لا يحب آلة مع ذلك سدا للذريعة وكان يرخص الرقص... والشطح" (11)
3- ما كان يشوب موقف الفقهاء ورجال الدين أحيانا من تساهل إزاء المتصوفين عند تواجدهم بالرقص والطرب. فقد جاء في شرح الوغليسية أن ما وقع لبعض المساكين من السماع بهذه الآلات محمول على أنهم أصحاب حال (12). وصاحب الحال له حكم المجنون في جميع الحالات، ويسلم له ولا يقتدى به.
وفي هذا المعنى يقول ابن البناء عن الغناء:
وإنمــــا أبــيــح للزهــاد
وندبه إلـــى الشيـــوخ بــاد
وهو على العـــــوام كالـحرام
عند الشـــيوخ الحلة الأعـــلام

ومثل هذا الموقف يستشف من كلام مؤرخ مكناس ابن زيدان عند ترجمته للشيخ أبي البركات علي بن محمد المدعو "حمدوش" دفين جبل زرهون. فقد ذكر أنه "كان من أهل الجذب ساقط التكليف قوى الحال، يحب السماع والأمداح ويرتاح للطرب ويصبو لسماع آلاته" (13)، كما ذكر "أنه لا يصح لمميز الاقتداء به بحال، فقد أطبقت كلمة من نظمه معه الزمان أنه كان مجذوبا معلوما بالغيبة والوله، ومن هذا سبيله سقط عنه التكليف ولا يصح الاقتداء به في حال" (14)ولكأنما أبيح السماح للمتصوفة دون غيرهم، حتى روى عن أبي العباس أحمد بن علي الهشتوكي أنه قال لأحد الثقات: يا بني إياك أن تنكر على الفقراء إذا اشتغلوا بالسماع وإياك أن تحضر معهم"(15).
4- الشعبية التي كانت تطبع زوايا ورباطات المتصوفين. فلقد كانت هذه المراكز بمثابة أندية تلتقي فيها الطبقات الشعبية على تباين مستوياتها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، لتردد على صعيد واحد الأوراد والأذكار أو لتستمع إلى المواعظ والترتيلات.
5- وتأتي بعد هذه العلل علة أخرى برزت بعد سقوط الأندلس خاصة وفي فترات تلاشي مظاهر الحكم بالمغرب، وقد ندرت مجالس الطرب التي كان الأمراء والخلفاء يعقدون حلقاتها في قصورهم، نتيجة ما آل إليه الحاكمون من ضعف وانحلال وتشريد، أو اشتغال هؤلاء بمواجهة ضروب الاعتداء على الحدود واتخاذ العدة للم الشمل المتفرق. وكادت محافل الموسيقى أن تنقطع لولا بقية من صوفية كانوا يجتمعون بزواياهم على الذكر والغناء فكانوا حلقة لوصل بين الحاضر والماضي، كما كانوا بحق حماة التراث الموسيقي الأصيل، ومن هنا ندرك الدور الإيجابي الذي لعبته الزوايا الصوفية بالمغرب في الحفاظ على أصول الغناء العربي من الاندثار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش:
(1) - محمد المنوني: مجلة الثقافة المغربية، ع 5.
(2) - الحسن السائح: دعوة الحق، ع 2، 3، السنة 19 مارس 1978.
(3) - كشف الظنون، ج 1، ص: 495.
(4) - إتحاف السادة المتقين، ج 4، ص: 50.
(5) - رسائل اليوسي: جمع فاطمة خليل القبلي، ج 2، ص: 430.
(6) - أبو العباس أحمد بن أبي المحاسن الفاسي: الكراسة الأخيرة من مجموعة 4367 م المحبسة على خزانة الجامع الكبير بمكناس حول حكم السماع عند الفقهاء والصوفية.
(7) - توفي عام 807 هـ /1404 م.
(8) - عن الإعلام للمراكشي السملالي، ج4، ص: 94. انظر ممتع الأسماع في ذكر الجزولي والتباع لمحمد المهدي الفاسي، ص: 29.
(9) - السملالي المراكشي: الإعلام، ج4، ص 94.
(10) - تاريخ تطوان، ج1، ص: 308.
(11)Â -عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي: تحفة الأكابر، الباب الثاني عشر.
(12) - ذكر اليوسي في إحدى رسائله أن "الحال عند الصوفية إذا نزلت فإنها قد تحرك الصياح والطرب، وحركة الجسد بالدوران أو الرقص أو التصفيق". انظر رسائل أبي علي اليوسي، ج 2، ص: 430.
(13) - الإتحاف، ج 5، من ص: 459.
(14) - الإتحاف، ج5، ص: 461.
(15) - رسائل اليوسي، ج 2، ص: 547.